ولم يمنعك إن أسأت من التوبة ، ولم يعاجلك بالنقمة ، ولم يفضحك حيث
تعرضت للفضيحة ، ولم يشدد عليك في قبول الإنابة ، ولم يناقشك بالجريمة ،
ولم يؤيسك من الرحمة ، بل جعل نزوعك عن الذنب حسنة ، وحسب سيئتك
واحدة ، وحسب حسنتك عشرا . وفتح لك باب المتاب ، وباب الاستعتاب .
فإذا ناديته سمع نداك ، وإذا ناجيته علم نجواك ، فأفضيت إليه بحاجتك ،
وأبثثته ذات نفسك ، وشكوت إليه همومك ، واستكشفته كروبك ، واستعنته
على أمورك ، وسألته من خزائن رحمته ما لا يقدر على إعطائه غيره ، من زيادة
الأعمار ، وصحة الأبدان ، وسعة الأرزاق .
ثم جعل في يديك مفاتيح خزائنه ، بما أذن لك فيه من مسألته ، فمتى
شئت استفتحت بالدعاء أبواب نعمته ، واستمطرت شآبيب رحمته ، فلا يقنطنك
إبطاء إجابته ، فإن العطية على قدر النية ، وربما أخرت عنك الإجابة ليكون
ذلك أعظم لأجر السائل ، وأجزل لعطاء الآمل . وربما سألت الشئ فلا تعطاه ،
وأوتيت خيرا منه عاجلا أو آجلا ، أو صرف عنك لما هو خير لك ، فلرب أمر
قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته ، فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله ،
وينفى عنك وباله ، فالمال لا يبقى لك ، ولا تبقى له .
الشرح :
قد تقدم القول في الدعاء .
قوله : " بل جعل نزوعك عن الذنب حسنة " ، هذا متفق عليه بين أصحابنا ، وهو
أن تارك القبيح لأنه قبيح يستحق الثواب .
شرح نهج البلاغة — صفحة 87
مساهمون: ابن أبي الحديد
ص٨٧