ثم ذكر له أن البارئ تعالى قديم سابق للأشياء ، لا سبقا له حد محدود ، وأول معين ،
بل لا أول له مطلقا .
ثم قال : وهو مع هذا آخر الأشياء ، آخرية مطلقة ليس تنتهي إلى غاية معينة .
ثم ذكر أن له ربوبية جلت عن أن تحيط بها الابصار والعقول .
وقد سبق منا خوض في هذا المعنى ، وذكرنا من نظمنا في هذا النمط أشياء لطيفة
ونحن نذكر ها هنا من نظمنا أيضا في هذا المعنى ، وفي فننا الذي اشتهرنا به ، وهو المناجاة
والمخاطبة على طريقة أرباب الطريقة ما لم نذكره هناك ، فمن ذاك قولي :
فلا والله ما وصل ابن سينا * ولا أغنى ذكاء أبى الحسين
ولا رجعا بشئ بعد بحث * وتدقيق سوى خفي حنين
لقد طوفت أطلبكم ولكن * يحول الوقت بينكم وبيني
فهل بعد انقضاء الوقت أحظى * بوصلكم غدا وتقر عيني !
منى عشنا بها زمنا وكانت * تسوفنا بصدق أو بمين
فإن أكدت فذاك ضياع ديني * وإن أجدت فذاك حلول ديني . ( 1 )
ومنها :
أمولاي قد أحرقت قلبي فلا تكن * غدا محرقا بالنار من كان يهواكا
أتجمع لي نارين : نار محبة * ونار عذاب أنت أرحم من ذاكا !
ومنها :
قوم موسى تاهوا سنين كما قد * جاء في النص قدرها أربعونا ( 2 )
ولي اليوم تائها في جوى من * لا أسمي وحبه خمسونا
قل لأحبابنا إلام نروم * الوصل منكم وأنتم تمنعونا
هامش
( 1 ) أ : " أجدب " .
( 2 ) إشارة إلى قوله تعالى : " وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر " ( الأعراف : 142 ) .