قال ( ولم يؤده ) أي لم يثقله .
ثم ذكر انه تعالى لم يخلق الدنيا ليشد بها سلطانه ، ولا لخوفه من زوال أو نقص يلحقه ،
ولا ليستعين بها على ند مماثل له ، أو يحترز بها عن ضد محارب له ، أو ليزداد بها ملكه
ملكا ، أو ليكاثر بها شريكا في شركته له ، أو لأنه كان قبل خلقها مستوحشا فأراد
أن يستأنس بمن خلق .
ثم ذكر انه تعالى ( سيفنيها بعد ايجادها ) لا لضجر لحقه في تدبيرها ، ولا لراحة تصله في
إعدامها ، ولا لثقل شئ منها عليه حال وجودها ، ولا لملل أصابه فبعثه على إعدامها .
ثم عاد عليه السلام فقال إنه سبحانه سيعيدها إلى الوجود بعد الفناء ، لا لحاجة
إليها ولا ليستعين ببعضها على بعض ، ولا لأنه استوحش حال عدمها فأحب أن يستأنس
بإعادتها ، ولا لأنه فقد علما عند إعدامها فأراد بإعادتها استجداد ذلك العلم ، ولا لأنه صار
فقيرا عند إعدامها فأحب أن يتكثر ويثرى بإعادتها ، ولا لذل أصابه بإفنائها فأراد
العز بإعادتها .
فان قلت إذا كان يفنيها لا لكذا ولا لكذا ، وكان من قبل أوجدها لا لكذا
ولا لكذا ، ثم قلتم انه يعيدها لا لكذا ولا لكذا ، فلأي حال أوجدها أولا ، ولأي
حال أفناها ثانيا ، ولأي حال أعادها ثالثا خبرونا عن ذلك ، فإنكم قد حكيتم عنه عليه
السلام الحكم ولم تحكوا عنه العلة .
قلت : إنما أوجدها أولا للإحسان إلى البشر ليعرفوه ، فإنه لو لم يوجدهم لبقي
مجهولا لا يعرف ، ثم كلف البشر ليعرضهم للمنزلة الجليلة التي لا يمكن وصولهم إليها الا
بالتكليف وهي الثواب ، ثم يفنيهم لأنه لا بد من انقطاع التكليف ليخلص الثواب من
مشاق التكاليف ; وإذا كان لا بد من انقطاعه فلا فرق بين انقطاعه بالعدم المطلق ،
شرح نهج البلاغة — صفحة 93
مساهمون: ابن أبي الحديد
ص٩٣