الزبير راجعا إلى أصحابه نادما واجما ، رجع علي عليه السلام إلى أصحابه جذلا مسرورا ،
فقال له أصحابه : يا أمير المؤمنين ، تبرز إلى الزبير حاسرا ، وهو شاك في السلاح ، وأنت
تعرف شجاعته ! قال : إنه ليس بقاتلي ، إنما يقتلني رجل خامل الذكر ، ضئيل النسب ،
غيلة في غير مأقط ( 1 ) حرب ، ولا معركة رجال ، ويلمه أشقى البشر ! ليودن أن أمه هبلت
به ! أما إنه وأحمر ثمود لمقرونان في قرن !
* * *
لما انصرف الزبير عن حرب علي عليه السلام ، مر بوادي السباع ، والأحنف
ابن قيس هناك في جمع من بنى تميم قد اعتزل الفريقين ، فأخبر الأحنف بمرور الزبير ،
فقال رافعا صوته : ما أصنع بالزبير ! لف غارين ( 2 ) من المسلمين ، حتى أخذت السيوف منهما
مأخذها ، انسل وتركهم . أما إنه لخليق بالقتل ، قتله الله ! فاتبعه عمرو بن جرموز - وكان
فاتكا - فلما قرب منه وقف الزبير ، وقال : ما شأنك ؟ قال : جئت لأسألك عن
أمر الناس ، قال الزبير : إني تركتهم قياما في الركب ، يضرب بعضهم وجه بعض
بالسيف . فسار ابن جرموز معه ، وكل واحد منهما يتقى الآخر . فلما حضرت الصلاة ،
قال الزبير : يا هذا ، إنا نريد أن نصلى .
فقال ابن جرموز : وأنا أريد ذلك ، فقال الزبير : فتؤمني وأؤمنك ؟ قال : نعم ،
فثنى الزبير رجله ، وأخذ وضوءه . فلما قام إلى الصلاة شد ابن جرموز عليه فقتله ، وأخذ
رأسه وخاتمه وسيفه ، وحثا عليه ترابا يسيرا ، ورجع إلى الأحنف ، فأخبره ، فقال : والله
ما أدرى أسأت أم أحسنت ؟ اذهب إلى علي عليه السلام فأخبره ، فجاء إلى علي عليه
السلام ، فقال للآذن : قل له : عمرو بن جرموز بالباب ومعه رأس الزبير وسيفه ،
فأدخله . وفي كثير من الروايات أنه لم يأت بالرأس بل بالسيف ، فقال له : أنت قتلته ؟ !
قال : نعم ، قال : والله ما كان ابن صفية جبانا ولا لئيما ، ولكن الحين ومصارع السوء ،
هامش
( 1 ) المأقط : ساحة القتال .
( 2 ) الغار هنا : الجيش ، وفى اللسان 6 : 34 : " جمع غارين " .