ثم قال : والاذعان : الانقياد ، والخنوع : الخضوع ، وإنما كرر الخنوع بعد الاذعان ،
لان الأول يفيد أنهم أمروا بالخضوع له في السجود ، والثاني يفيد ثباتهم على الخضوع
لتكرمته أبدا .
ولقائل أن يقول : إنه لم يكرر لفظة " الخنوع " ، وإنما ذكر أولا الاذعان ، وهو
الانقياد والطاعة ، ومعناه أنهم سجدوا ، ثم ذكر الخنوع الذي معناه الخضوع ، وهو يعطى
معنى غير المعنى الأول ، ( 1 ) لأنه ليس كل ساجد خاضعا بقلبه ، فقد يكون ساجدا بظاهره
دون باطنه . وقول الراوندي : أفاد بالثاني ثباتهم على الخضوع له لتكرمته أبدا تفسير لا يدل
عليه اللفظ ، ولا معنى الكلام .
ثم قال : قبيل إبليس نسله ، قال تعالى : ( إنه يراكم هو وقبيله ) ( 2 ) ، وكل جيل
من الإنس والجن قبيل . والتصحيح أن قبيله نوعه ، كما أن البشر قبيل كل بشرى ، سواء
كانوا من ولده أو لم يكونوا . وقد قيل أيضا : كل جماعة قبيل وإن اختلفوا ، نحو أن يكون
بعضهم روما وبعضهم زنجا . وبعضهم عربا . وقوله تعالى : ( إنه يراكم هو وقبيله )
لا يدل على أنهم نسله .
وقوله بعد : وكل جيل من الإنس والجن قبيل . ينقض دعواه أن قبيله
لا يكون إلا نسله .
ثم تكلم في المعاني فقال : إن القياس الذي قاسه إبليس كان باطلا ، لأنه ادعى
أن النار أشرف من الأرض ، والامر بالعكس ، لان كل ما يدخل إلى النار ينقص ،
وكل ما يدخل التراب يزيد . وهذا عجيب ! فإنا نرى الحيوانات الميتة إذا دفنت في الأرض
تنقص أجسامها ، وكذلك الأشجار المدفونة في الأرض ، على أن التحقيق أن المحترق بالنار
والبالي بالتراب لم تعدم أجزاؤه ولا بعضها ، وإنما استحالت إلى صور أخرى .
هامش
( 1 ) ا : ( فإنه ) .
( 2 ) سورة الإسراء 40