المدينة من الغناء فقال : إنّما يفعله عندنا الفساق . و ذكر أبو الطيب طاهر بن عبد اللَّه الطبريّ قال : أما مالك بن أنس فإنّه نهى الغناء و عن استماعه ، و قال : إذا اشترى جارية و وجدها مغنية كان له ردّها بالعيب ؛ و هو مذهب سائر أهل المدينة ؛ إلَّا إبراهيم بن سعد فإنّه حكى عنه زكريا الساجي أنّه كان لا يرى به بأسا . و قال ابن خويز منداد : فأمّا مالك فيقال عنه : إنّه كان عالما بالصناعة و كان « 1 » مذهبه تحريمها . و روي عنه أنّه قال : تعلمت هذه الصناعة و أنا غلام شاب ، فقالت لي أمّي : أي بنيّ ! إنّ هذه الصناعة يصلح لها من كان صبيح الوجه و لست كذلك ، فاطلب العلوم الدينية ؛ فصحبت ربيعة فجعل اللَّه في ذلك خيرا . قال أبو الطيّب الطبريّ : و أمّا مذهب أبي حنيفة فإنّه يكره الغناء مع إباحته شرب النّبيذ ، و يجعل سماع الغناء من الذنوب . و كذلك مذهب سائر أهل الكوفة : إبراهيم و الشعبيّ و حماد و الثوري و غيرهم ، لا اختلاف بينهم في ذلك . و كذلك لا يعرف بين أهل البصرة خلاف في كراهية ذلك و المنع منه ؛ إلَّا ما روى عن عبيد اللَّه بن الحسن العنبري أنّه كان لا يرى به بأسا . قال : و أمّا مذهب الشافعيّ فقال : الغناء مكروه يشبه الباطل ، و من استكثر منه فهو سفيه تردّ شهادته . و ذكر أبو الفرج الجوزي عن إمامه أحمد بن حنبل ثلاث روايات قال : و قد ذكر أصحابنا عن أبي بكر الخلَّال و صاحبه عبد العزيز إباحة الغناء ، و إنّما أشاروا إلى ما كان في زمانهما من القصائد الزّهديّات ؛ قال : و على هذا يحمل ما لم يكرهه أحمد ؛ و يدلّ عليه أنّه سئل عن رجل مات و خلف ولدا و جارية مغنيه فاحتاج الصبي إلى بيعها فقال : تباع على أنّها ساذجة لا على أنّها مغنّية . فقيل له : إنّها تساوي ثلاثين ألفا ؛ و لعلَّها إن بيعت ساذجة تساوى عشرين ألفا ؟ فقال : لا تباع إلَّا على أنّها ساذجة . قال أبو الفرج :
و إنّما قال أحمد هذا لأنّ هذه الجارية المغنّية لا تغنّي بقصائد الزهد ، بل بالأشعار المطربة المثيرة إلى العشق .
هامش
« 1 » لفظة : « كان » ساقطة من ج .