قلنا له : في أنواع المباحات ما يكفي في العبرة ، و هاهنا ميل طبعك يشغلك عن الفكرة و لا يدع لبلوغ شهوتك وجود فكرة ، فإنّ ميل الطبع شاغل عن ذلك . و كذا من قال : إنّ هذا الغناء المطرب المزعج للطباع المحرّك لها إلى العشق و حبّ الدنيا لا يؤثّر عندي و لا يلفت قلبي إلى حبّ الدنيا الموصوفة فيه ، فإنّا نكذّبه لموضع اشتراك الطباع . ثمّ إن كان قلبه بالخوف من اللَّه عزّ و جلّ غائبا عن الهوى لما حضر هذا المسموع الطبع ، و إن كانت قد طالت غيبته في سفر الخوف . و أقبح القبيح البهرجة ، ثمّ كيف تمرّ البهرجة على من يعلم السرّ و أخفى . ثمّ إن كان الأمر كما زعم هذا المتصوّف فينبغي أن لا نبيحه إلَّا لمن هذه صفته ، و القوم قد أباحوه على الإطلاق للشابّ المبتدئ و الصبيّ الجاهل ، حتى قال أبو حامد الغز الي : إنّ التشبيب به وصف الخدود و الأصداغ و حسن القدّ و القامة و سائر أوصاف النساء الصحيح أنّه لا يحرم .
قال المصنّف رحمه اللَّه : فأمّا من قال : إنّي لا أسمع الغناء للدنيا ، و إنّما آخذ منه إشارات . فهو يخطئ من وجهين : أحدهما : أنّ الطبع يسبق إلى مقصوده قبل أخذ الإشارات ، فيكون كمن قال : إنّي أنظر إلى هذه المرأة المستحسنة لأتفكَّر في الصنعة .
و الثاني : أنّه يقلّ فيه وجود شيء يشار به إلى الخالق و قد جلّ الخالق تبارك و تعالى أن يقال في حقّه أنّه يعشق و يقع الهيمان به . و إنّما نصيبنا من معرفته الهيبة و التعظيم فقط .
و إذ قد انتهت النصيحة فنذكر ما قيل في الغناء .
فصل أمّا مذهب أحمد رحمه اللَّه ، فإنّه كان الغناء في زمانه إنشاد قصائد الزهد
إلَّا أنّهم لما كانوا يلحّنونها اختلفت الرواية عنه . فروى عنه ابنه عبد اللَّه أنّه قال : الغناء ينبت النفاق في القلب ، لا يعجبني . و روى عنه إسماعيل بن إسحاق الثقفيّ أنّه سئل
غنا ، موسيقى ( عربي - فارسي ) — صفحة 2509
مساهمون: مركز تحقيق مدرسة ولي العصر ( عج )
ص٢٥٠٩