رسالة أخرى لأبي عثمان عمرو بن بحر
هذا ، نقلها علي بن عيسى في كتاب كشف الغمة قال : رسالة وقعت إلي من كلام أبي عثمان
عمرو بن بحر الجاحظ أذكرها مختصرا لها .
قال : إعلم حفظك الله أن أصول الخصومات معروفة بينة وأبوابها مشهورة كالخصومة بين
الشعوبية والعرب والكوفي والبصري والعدناني والقطحاني ، وهذه الأبواب الثلاثة أنقص للعقول
السليمة وأفسد للأخلاق الحسنة من المنازعة في القدر والتشبيه وفي الوعد والوعيد والأسماء
والأحكام وفي الآثار وتصحيح الأخبار ، وأنقص من هذه للعقول تمييز الرجال وترتيب الطبقات
وذكر تقديم علي ( عليه السلام ) وأبي بكر ، فأولى الأشياء بك القصد وترك الهوى فإن اليهود نازعت النصارى
في المسيح فلج بهما القول حتى قالت اليهود : إنه ابن يوسف النجار وإنه لغير رشده وإنه صاحب
تبريج ( 1 ) وخدع ومخاريق وناصب شرك وصياد سمك وصاحب شص وشبك ، فما يبلغ من عقل
صياد وربيب نجار ؟ وزعمت النصارى أنه رب العالمين وخالق السماوات والأرضيين وإله الأولين
والآخرين ، فلو وجدت اليهود أسوأ من ذلك القول لقالته فيه ، ولو وجدت النصارى أرفع من ذلك
القول لقالته فيه ، وعلى هذا قال علي ( عليه السلام ) : " يهلك في رجلان محب مفرط ومبغض مفرط " ( 2 )
والرأي كل الرأي أن لا يدعوك حب الصحابة إلى بخس عترة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) حقوقهم وحظوظهم ، فإن
عمر لما كتبوا الدواوين وقدموا ذكره أنكر ذلك وقال : ابدأوا بطرا في رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وضعوا آل
الخطاب حيث وضعهم الله ، قالوا : فأنت أمير المؤمنين فأبى إلا تقديم بني هاشم وتأخير نفسه ، فلم
ينكر عليه منكر وصوبوا رأيه وعدوا ذلك من مناقبه .
واعلم أن الله لو أراد أن يسوي بين بني هاشم وبين الناس لما أبانهم بسهم ذوي القربى ولما قال :
* ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) * ( 3 ) وقال الله تعالى : * ( وإنه لذكر لك ولقومك ) * ( 4 ) وإذا كان لقومه في ذلك
ما ليس لغيرهم فكل من كان أقرب كان أرفع ، ولو سواهم بالناس لما حرم عليهم الصدقة ، وما هذا
التحريم إلا لإكرامهم على الله ولذلك قال للعباس حيث طلب ولاية الصدقات : لا أوليك غسالات
هامش
( 1 ) في المصدر : نيرنج .
( 2 ) بحار الأنوار 10 / 217 ح 18 .
( 3 ) الشعراء : 214 .
( 4 ) الزخرف : 44 .