معان أخرى لقولهم « نزلت في كذا » :
وليعلم أيضا ، أن الصحابة التابعين رضي اللّه عنهم أجمعين كانوا يحكون - أحيانا - قصصا جزئية لبيان مذاهب المشركين واليهود وعاداتهم الجاهلية حتى تتضح عقائدهم وتتجلى عاداتهم هذه في ضوء الوقائع والقصص ، ويقولون في ذلك « نزلت الآية في كذا » ويريدون بذلك أن الآية نزلت في زمن قريب من هذه الوقائع ، فيريدون إبراز هذه الصورة لا تخصيصها بل إن هذه الحادثة صورة صادقة للأمور الكلية . ولأجل ذلك كثيرا ما تختلف أقوالهم ، وتتنازع تعبيراتهم رغم أن قصدهم واحد ، وإلى هذه النكتة أشار أبو الدرداء رضي اللّه تعالى عنه حين قال :
« لا يكون الرجل فقيها حتى يحمل الآية الواحدة على محامل متعددة » .
أسلوب القرآن الكريم في بيان الشر والخير :
وعلى هذا يكثر في أسلوب القرآن العظيم أنه يعرض صورتين ، صورة سعيد ويذكر معها بعض خلال السعادة ، وصورة شقي ويذكر معها بعض صفات الشقاوة ، ولا يكون الغرض من عرضها إلّا بيان أحكام هذه الخلال والصفات والأعمال لا التعريض بشخص معين من الأشخاص ، قال تعالى
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً ، حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً
إلخ .
ثم ذكر بعد ذلك صورتين لفريقين صورة سعيد وصورة شقي ، كذلك قوله تعالى :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ، قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
وقوله تعالى :
وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً
.
وهكذا ينبغي أن تحمل الآيات التالية على هذا المعنى :
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً
الآية ،
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها ، فَلَمَّا تَغَشَّاها
الآية ،
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ
،
وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ
الآيات .
ولا يلزم في هذه الصورة أن تتوفر جميع الخصوصيات ذاتها في شخص خاص ، كما أن في قوله تعالى :
كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ ، فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ