وثبت لدى ابن عباس - رضي اللّه عنهما - هو الغسل ، ولكنه يقرر هنا إشكالا ، ويبدي احتمالا ، حتى يرى كيف يطبق فقهاء عصره بين هذين الأمرين المتعارضين ، وما هو المنهج للدليل الذي يسلكونه .
أما الذين لا يعرفون محاورات السلف ومناهج مناقشاتهم ومناظراتهم ، يظنون ذلك قولا لابن عباس رضي اللّه عنهما ومذهبا له ، حاشاه ثم حاشاه ! .
والأصل الثاني : أن النقل عن بني إسرائيل والروايات المحكية عنهم دست في ديننا ، وقد تقررت لذلك قاعدة مهمة ، ألا وهي قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم » . فلزم لأجل ذلك أمران :
الأول : أنه ما دام بيان التعريضات القرآنية وإشاراته إلى القصص والحوادث موجودا في السنة المشرفة على صاحبها الصلاة والسلام ، فلا ينبغي عندئذ معالجة النقل والرواية عن أهل الكتاب ، كمثل ما ثبت في السنة الصحيحة عند قوله تعالى :
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ
أن ذلك محمول على ترك سليمان عليه السلام لقول « إن شاء اللّه » وأن المؤاخذة كانت على ذلك ، فكيف يصح أن نذكر قصة صخر المارد من الروايات الإسرائيلية .
والأمر الثاني : هو أن « الضروري يتقدر بقدر الضرورة » فلا بد من ملاحظته ، والقاء القول حسب مقتضى التعريض وضرورته حتى يمكن تصديقه بشهادة القرآن الكريم له ، والكف عن الزيادة عليه .
تفسير القرآن بالقرآن :
وهنا نكتة دقيقة لا بد من معرفتها ، وهي أن القرآن الكريم أحيانا يذكر القصة في موضع بالإجمال ، وفي موضع آخر بالتفصيل كقوله تعالى :
قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ
ثم قال :
أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ
فهذا القول الثاني هو القول الأول نفسه بنوع من التفصيل ، فيتيسر بذلك تفسير هذا الإجمال ، والتقدم من الإجمال نحو التفصيل ، وكذلك جاءت قصة عيسى عليه السلام مجملة في سورة مريم في قوله تعالى :