تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفوز الكبير في أصول التفسير — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
رضي اللّه عنه حتى تنكشف لك هذه الحقيقة جلية واضحة ، فلو جاء الكلام على غير ما كانوا يعهدونه من طرائق البيان ، لوقعوا في الحيرة ، وواجههم شيء لا يألفونه ولا يأنسون به ، وشوش عقولهم وأقلق خاطرهم . ثم إن الغرض ليس مجرد إفادة ما لا يعلمونه ، بل إفادته مع التكرار والاستحضار مرة بعد مرة ، ويتوفر هذا المعنى في غير المرتب أكثر من توفره في المرتب من الكلام وهذا على طريقة المتون الكتابية .

وجه اختيار الأوزان والقوافي الجديدة :

ولو سئلنا : لما ذا لم يختر القرآن الكريم تلك الأوزان والقوافي التي تعرف لدى الشعراء وهي أحلى وألذ ؟ لقلنا : إن اللذة والحلاوة أمر نسبي ، يختلف باختلاف الشعوب والبلدان والعقول والأذواق ، ولو سلمنا - جدلا - أن تلك أحلى وألذ ، فإن إبداع أسلوب جديد ونموذج جديد من الأوزان والقوافي على لسان الرسول الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم الذي كان أميا لم يقرأ ولم يكتب ، آية ظاهرة من الآيات الدالة على نبوته ورسالته ، ولو كان القرآن قد نزل على أوزان الشعر وقوافيه المعروفة لذهبت بالكفار الظنون إلى أنه شعر من شعرهم المتداول المعروف ، ولم يعيروه كبير اهتمام ولم يبالوا به . ومعلوم أن البلغاء من الشعراء المفلقين والكتاب المجيدين حين يحاولون إبراز مزيتهم وفضلهم ورجحانهم على أقرانهم ومعاصريهم على رؤوس الأشهاد يأتون بصناعة جديدة ، ويستنبطون بحورا جديدة ، ويقولون عند ذلك : هل هنالك من يقرض القصيد مثلي ، وينشئ الكلام على حذوي ؟ فلو جرى هؤلاء على الطريقة المطروقة في الشعر والنثر لم تظهر براعتهم إلا للمحققين البارعين .