الفصل الخامس في ترتيب مباحث القرآن الكريم
حكمة الدعوة والعرض :
لو أثار أحد السؤال : لما ذا لم يراع الترتيب في بيان مباحث القرآن العظيم ولما ذا نثرت هكذا نثرا ؟ فلما ذا لم يبدأ - مثلا - ببيان آلاء اللّه تعالى ، حتى إذا استوفاها حقها شرع في بيان أيام اللّه تعالى ، فإذا أتمها وأكملها بدأ بالجدل مع الكفار وغيرهم ؟ . . .
فنقول : إن قدرة اللّه تبارك وتعالى وإن كانت محيطة بجميع الممكنات ، ولكن القول الفصل في هذا الباب إنما هو للحكمة - إذ أنه كتاب حكيم من لدن حكيم خبير - ، والحكمة هي موافقة المبعوث إليهم في اللسان وأسلوب البيان ، وإلى هذا المعنى جاءت الإشارة في قوله تعالى :
لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ
إلخ الآية . ولم يكن لدى العرب إلى حين نزول القرآن الحكيم كتاب ، لا كتاب إلهي ولا كتاب بشري .
أسلوب الأولين لا اختراع المصنفين المتأخرين :
وإن الترتيب الذي اخترعه المؤلفون والمصنفون المتأخرون لم يكن يعرفه العرب الأولون ، وإذا كنت في شك من هذا فارجع إلى قصائد الشعراء المخضومين ، واقرأ رسائل النبي الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم ورسائل سيدنا عمر بن الخطاب