وجددت النغمات في قرن المحب الطبري المتخصص الفنان في رواية الموضوعات
وجمع شتاتها ، فجاء في روايته ما سمعت غير أن ألفاظه مع وجازته مضطربة جدالا
يلتئم شئ منها مع الآخر .
ثم جاء الحلبي فنوم رسول الله صلى الله عليه وآله ورأسه في حجر أبي بكر ، وسقى وجه
رسوله الكريم بدموع أبي بكر المتساقطة من الألم ، كل هذه لم يبرد كبد الحلبي
وما شافي غليله ، فوجه قوارصه على الرافضة وألبس رؤوسهم لبادا مقصصا على صورة
تلك الحية الموهومة التي لم يزعن رافضي قط بوجوده .
ثم لما أدخل أبو بكر رجله في الجحر ونزل النبي صلى الله عليه وآله ووجده
قاعدا لا يتحرك ، ورام أن ينام ، ووضع رأسه الشريف في حجره ، هلا سأل صلى الله عليه وآله صاحبه
عن حالته العجيبة وجلوسه المستغرب الذي لا يقوم عنه ؟ وهل يمكن له أن يستر على
صاحبه كلما فعل وهو معه ينظر إليه من كثب ؟ .
وأي لديغ هذا ؟ وأي تصبر وتجلد ؟ وأي منظر مهول ؟ رجل الرجل في
الجحر إلى فخذه ولا ثوب عليه ، ورأس النبي العظيم في حجره ، والأفاعي والحيات تلدغه
وتلسعه من هنا وهنا ، لا اللديغ يتململ السليم ، حتى يحرك رجله أو عقبه فتجد
تلكم الحشرات مسرحا فتبعد عنه ، ولا يأن ولا يحن ولا تسمع له زفرة وإن الدموع
تتحادر حتى يستيقظ النبي الذي تنام عينه ولا ينام قلبه ( 1 ) فينجي صاحبه الذي اختاره
لصحبته من لسعة الحيات والأفاعي .
وهل من العدل والعقل والمنطق أن يحفظ الله نبيه عن كل هاتيك النوازل ؟
ويري له في الدرأ عنه آية بعد آية في سويعات ؟ من ستره عن أعين مشركي قريش لما
مر بهم من بين أيديهم ، وإنباته شجرة في وجهه تستره بها ، وإيقاعه حمامتين وحشيتين
بفم الغار ، ونسج العناكيب باب الغار بأمر منه تعالى شأنه ( 1 ) ، ويدع صاحبه الذي
اتخذه بأمره ، وتفانى في حب النبي صلى الله عليه وآله ، وعرض نفسه للمهالك دونه بدخوله
الغار قبله ، فلم يدفع عنه لدغ الحيات والأفاعي ، ولا يرحمه في تلك الحالة التي تكسر
هامش
( 1 ) أخرج الشيخان في الصحيحين مرفوعا : إن عيني تنامان ولا ينام قلبي ، وأخرجا أيضا
مرفوعا : إن الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم .
( 2 ) طبقات ابن سعد 1 : 213 ، الخصايص الكبرى 1 : 185 : 186 .