منه في المقام عليها .
وكأن الرجل هاهنا ذهل عما ذكره في كتابه ( مسائل الجاهلية ) ص 129 من
قوله : إن أبا ذر رضي الله تعالى عنه قبل بلوغه المرتبة القصوى من المعرفة تساب هو
وبلال الحبشي المؤذن فقال له : يا ابن السوداء . فلما شكا بلال إلى رسول الله صلى الله
تعالى عليه وسلم قال له : شتمت بلالا وعيرته بسواد أمه ؟ قال : نعم . قال : حسبت إنه
بقي فيك شئ من كبر الجاهلية . فألقى أبو ذر خده على التراب ثم قال : لا أرفع خدي
حتى يطأ بلال خدي بقدمه . ا ه .
وهكذا رواه البرماوي ، وذكره القسطلاني في إرشاد الساري 1 : 113 وقال :
زاد ابن الملقن : فوطئ خده .
هذا أبو ذر وهذا أدبه وكرم أخلاقه ، وإنه لعلى خلق عظيم .
5 ما ادعاه من كثرة المتعرضين على أبي ذر . الخ . ليته سمى واحدا من
أولئك المتعرضين ، أو سمى مصدرا ولو من أتفه المصادر يصافقه على هذه الدعوى ،
وإنما كانت الصحابة يومئذ بين مصافق لأبي ذر على هتافه ، ومسل له على نكبته ،
ومستاء على ما أصابه من الأذى ، وناقم على من فعل به ذلك ، فلم يكن عندئذ من
يرد عليه قوله ، ويحفظ آية المواريث وأبو ذر ناسيها وهو وعاء ملئ علما بشهادة من
أعلم الأمة باب مدينة علم النبي صلى الله عليهما وآلهما .
كان من العزيز على صلحاء الصحابة المنابأة بالفادح الجلل تسيير أبي ذر إلى الربذة
لكرههم ذلك ونبوء سمعهم عنه ، وكان الصحابي الصالح يسترجع مرارا لما قرع
سمعه ذلك النبأ المزري ، وكان يقول : ارتقبهم واصطبر ، اللهم إن كذبوا أبا ذر فإني
لا أكذبه ، اللهم وإن اتهموه فإني لا أتهمه ، اللهم وإن استغشوه فإني لا استغشه ، فإن
رسول الله صلى الله عليه وآله كان يأتمنه حين لا يأتمن أحدا ، ويسر إليه حين لا يسر إلى أحد ( 1 )
ولعل الآلوسي يريد بمن ذكرهم من المتعرضين طغمة آل أمية المتخذين
مال الله دولا ، وعباده خولا ، ودينه دخلا ، وكتابه دغلا ، غير أنهم ما كانوا يجادلون
بالقرآن وما كانوا يعرفون منه إلا ظاهرا من قوله تعالى : ولا تنس نصيبك من الدنيا .
هامش
( 1 ) راجع من هذا الجزء صفحة 315 .