ولكن : كان أمر الله قدرا مقدورا ، وتلك أمة قد خلت ، ونحن الناشئة إن
عتبنا على الأولين ، فإن عتبنا على الخلف أشد وأعظم ، وعلى المؤرخين الجدد من أبناء
عصرنا هذا أهل السنة أوسع وأكبر .
كنا نسمع من أساتذتنا أساتذة الأخذ والتأليف عفى الله عنهم إن كانوا لا يعلمون :
إن قصة الغدير أسطورة صنعها الشيعة ، وأيدها ملوكهم لحوائج سياسية .
وهذا مبلغنا أو مبلغهم من العلم إذ ذاك ، أما في زمننا هذا وبعد ما قرأت بعض
فصول وأبواب وأجزاء الغدير ، أراني أمام بحر زاخر لا غدير سائل فيه اللؤلؤ والمرجان
والدر الوضاء . نعم : فيه الحجة البالغة ، وفيه البرهان الصريح ، وفيه العلم الوافر ،
وفيه وفيه ما ليس في وسعي أن أحصيه وأعدده ، كلها تنطق : إن الناس مهما أرادوا أن
يحجبوا ضوء البدر ، ومهما أتوا بسحب وعوارض تمنع إضاءته فليس في مقدورهم طالما
خلف ( المرتضى ) عليه السلام أمثالكم شيعة باعت لذائذ الحياة ترف الزمان ، وعكفت على
تأيد الحق ، وإظهار الصواب ، وهدي التائه ، وإرشاد الضال ، بكل ما أتيت من قوة .
فنعم السلف والخلف ، أنتم رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه
مرضيا عنه ، ومنهم من يعمل خدمة للاسلام حتى يرى ربه بوجه طلق سجيح ويلقى
هناك النبي والصديقين والشهداء والمجاهدين وحسن أولئك رفيقا .
نعم وقفت أمام ثبج ( الغدير ) وخضت غماره ، وسبجت فيه ، فإذا أمامي
مشاهد التاريخ ، وأفلام الزمان ، وأقلام المؤلفين ، وفصول الكتب ، ونشيد الشعر ،
وأريج الحديث ، كلها تدلني على أن الغدير حق ليس بمختلق ، وأن الناس يقولون
ما لا يعلمون ، إما ابتغاء للفتنة ، أو تقربا للملوك الظالمين ، أوجبنا عن النطق بالصواب
والواقع ، فجزى الله مؤلفه " عبد الحسين " وحفظه وأبقاه سيفا صارما مسلولا ومنارا
للحق ، وجزاك أنت يا سيدي المظفري ! على معروفك الذي لا يتناهى والذي ورثته عن
آبائك الطهر الميامين .
سيدي المظفري ! أرجوك إرسال بقية الأجزاء ، وأخبرني عن ثمنها ، وإن من
يطلب الحسناء لم يغله المهر . وكان بوسعي ومن واجبي أن أرسل لكم الثمن قبل هذا
التحرير ، ولكن رأيت إن ذلك ليس بصحيح ، فإن من الأشياء أنواعا لا تقدر بثمن ،
الغدير — صفحة المقدمة 11
مساهمون: الشيخ عبد الحسين الأميني (العلامة الأميني)
صالمقدمة ١١