ثم قال : ولكثرة الاختلاف فيها صح عن عمر أنه قال : لم أقل في الكلالة شيئا
( 1 ) فكأنه يراها عذرا للخليفة في ربيكته بالكلالة ، وأين هو من آية الكلالة ؟ وكيف
تخفى على أحد وهي بين يديه وفيها قوله تعالى ( يبين الله لكم أن تضلوا ) فيكف بينها الله
ومثل الخليفة يقول : لم تبين لي ؟ ومن أين أتى الخلاف وكثر وهي مبينة ؟ وكيف يرى
النبي صلى الله عليه وآله وسلم آية الصيف كافية في البيان لمن جهل الكلالة ؟ .
على أن الخليفة هو إمام الأمة ومرجعها الوحيد في خلافها ، وبه القدوة والأسوة
في التخاصم والتنازع في الآراء والمعتقدات ، فلا عذر له في جهلة بشئ منها على كل حال
خالفت الأمة أم لم تخالف .
30 رأي الخليفة في الأرنب
عن موسى بن طلحة : إن رجلا سأل عمر عن الأرنب فقال عمر : لولا إني أزيد
في الحديث أو أنقص منه ، وسأرسل لك إلى رجل . فأرسل إلى عمار فجاء فقال : كنا مع
النبي صلى الله عليه وسلم فنزلنا في موضع كذا وكذا فأهدى إليه رجل من الأعراب أرنبا فأكلناها
فقال الأعرابي : يا رسول الله إني رأيتها تدمي أي تحيض فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا بأس بها .
أخرجه ابن أبي شيبة ، وابن جرير الطبري كما في كنز العمال 8 ص 50 ،
وأخرجه أبو يعلى في مسنده ، والطبراني في الكبير من رواية ابن الحوتكية كما في عمدة
القاري 6 ص 259 ، ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد 3 ص 195 نقلا عن أحمد من طريق
ابن الحوتكية .
أنا لا أقول : إن الذي أخاف الخليفة من الزيادة أو النقيصة في الحديث هو عدم
معرفته بالحكم ، ولا أقول : إن عمارا كان أبصر منه في القضية وأوثق منه في الرواية والنقل .
ولا أقول : أين كانت تلك الحيطة منه في غير الأرنب مما استبد بحكمه من دون أي اكتراث
من مئات المسائل في الأموال والأنفس والعقود والايقاعات وهو يعلم أنه لم يحط بها علما .
لكني أكل ذلك إلى وجدانك الحر .
وفي النفس ما فيها في نفي البأس عن لحم الأرنب ، وهو قول الأئمة الأربعة وكافة
هامش
( 1 ) فتح الباري شرح صحيح البخاري 8 ص 215 .