قضى الله أن يبقى إماما معظما * مدى الدهر ما لاح الصباح وأسفرا
فدم يا أمير المؤمنين مخلدا * على الملك منصور الجيوش مظفرا
في المحرم من سنة 630 ( 1 ) قلد العدل مجد الدين أبو القاسم هبة الدين بن
المنصوري الخطيب نقابة نقباء العباسيين والصلاة والخطابة ، وخلع عليه قميص أطلس
بطراز مذهبا ودراعة خارا أسود ، وعمامة ثوب خارا أسود مذهب بغير ذوابة ، وطيلسان
قصب كحلي ، وسيف محلى بالذهب ، وامتطى فرسا بمركب ذهبا وقرئ بعض عهده
في دار الوزارة وسلم إليه ، وركب في جماعة إلى دار أنعم عليه بسكناها في المطبق من
دار الخلافة وأنعم عليه بخمسمائة دينار ، وهو من أعيان عدول مدينة السلام وأفاضل
أرباب الطريقة المتكلمين بلسان أهل الحقيقة ، كان يصحب الفقراء دائما ويأخذ نفسه
بالرياضة والسياحة والصوم الدائم والتخشن والتباعد من العالم ، وكان الموفق
عبد الغافر ابن الفوطي من جملة تلامذته فعمل فيه أبياتا طويلة ، ولما انتهى حالها إلى
الديوان أنكر ذلك عليه ووكل به أياما ولم يخرج إلا بشفاعته وأول الأبيات :
ناديت شيخي من شدة الحرب * وشيخنا في الحرير والذهب
في دسته جالسا ببسملة * بين يديه من قام في أدب
وركبة منه كنت أعهده * يذم أربابها على الرتب
وكان أبناؤها لديه على * سخط من الله شامل الغضب
أصاب في الرأي من دعاك لها * وأنت لما أجبت لم تسب 5
أول صوت دعاك عن عرض * لبيته مقبلا على السبب
ويقول فيها :
قد كنت ذاك الذي تظن به * لو لم تكن مسرعا إلى الرتب
شيخي أين الذي يعلمنا الزهد * ويعتده من القرب ؟
أين الذي لم يزل يسلكنا * إلى خروج عن كل مكتسب ؟
10 أين الذي لم يزل يعرفنا * فضل التمري بالجوع والتعب ؟
ومنها :
هامش
( 1 ) الحوادث الجامعة ص 38 .