تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الغدير — صفحة 9

مساهمون:

ص٩
هجاؤه أخرج القرن الرابع شعراء هجائين قد اتخذ كل واحد منهم طريقة خاصة من فنون الهجاء ، وكل فن مع هذه نوع فذ في الهجاء ، يظهر ميزه متى قرن بالآخر ومنهم مكثر ومنهم من استقل ، وشاعرنا من الفرقة الثانية ، وله فن خاص من الهجاء كان يختاره ويلتزم به في شعره . ولعلك تجده في فنه المختار مجلوب خلايقه الحسنة ، ونفسياته الكريمة ، وملكاته الفاضلة ، فكأنه قد خمرت بها فطرته ، ومزجت بها طينته ، أو جرت منه الدم ، واستولت على روحه ، وحكمت في كل جارحة منه ، حتى ظهرت آياتها في هجاؤه النادر الشاذ ، فيخيل إليك مهما يهجو أنه واعظ بار يخطب ، أو نصوح يودد ويعاتب ، أو مجادل دون حقه يجامل ، لا أنه يغمز ويعيب ، ويغيظ في الوقيعة ويناضل ، ويثور ويثأر لنفسه ، وتجده قد اتخذ الهجاء شكة دفاع له لا شكة هجوم ، وترى كل هجاؤه خليا عن لهجة حادة ، وسباب مقذع ، عاريا عن قبيح المقال وخبث الكلام ، بعيدا عن هتك مهجوه ، ونسبته إلى كل فاحشة ، وقذفه بكل سيئة ، غير مستبيح إيذاء مهجوه ، ولا مستحل حرمته ، ولا مجوز عليه الكذب والتهمة ، خلاف ما جرت العادة بين كثير من أدباء العصور المتقادمة ، فعليك النظر إلى قوله في بعض أبناء رؤساء عصره وقد أنفذ إليه كتابا فلم يجبه عنه : ها قد كتبت فما رددت جوابي * ورجعت مختوما علي كتابي وأتى رسولا مستكينا يشتكي * ذل الحجاب ونخوة البواب وكأنني بك قد كتبت معذرا * وظلمتني بملامة وعتاب فارجع إلى الانصاف واعلم أنه * أولى بذي الآداب والأحساب يا رحمة الله التي قد أصبحت * دون الأنام علي سوط عذاب بأبي وأمي أنت من مستجمع * تيه القيان ورقة الكتاب وقوله الآخر في هجاء جماعة من الرؤساء : عدمت رئاسة قوم شقوا * شبابا ونالوا الغنى حين شابوا حديث بنعمتهم عهدهم * فليس لهم في المعالي نصاب