وله في العلم قنن راسية ، وقدم راسخة ، غير أن انتشار أدبه الفائق ، ومقاماته
البديعة فيه ، وتعريف الأدباء إياه بأدبه الباهر ، وقريضه الخسرواني ، والثناء عليه بأنه
ثاني معلميه كما في ( نسمة السحر ) أخفى صيت علمه الغزير ، وغطى ذكره العلمي ،
ونحن نقوم بواجب الحقين جميعا .
ينم عن مقامه الرفيع في العلوم الدينية وتضلعه فيها وشهرته في عصره بها
توليه الحسبة ( 1 ) مرة بعد أخرى في عاصمة العالم في ذلك اليوم [ بغداد ] وهي من
المناصب الرفيعة العلمية التي كانت تخص توليها في العصور المتقادمة بأئمة الدين ،
وزعماء الاسلام ، وكبراء الأمة ، وهي كما قال الماوردي في ( الأحكام السلطانية )
224 : من قواعد الأمور الدينية ، وقد كان أئمة الصدر الأول يباشرونها . ه .
* ( الحسبة ) * هي الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر بين الناس كافة وممن
وليها ببغداد قبل المترجم الفيلسوف الكبير أحمد بن الطيب السرخسي ، صاحب
التآليف القيمة في فنون متنوعة المقتول سنة 283 ، وتولاها بعد عزل المترجم عنها
فقيه الشافعية وإمامها أبو سعيد الحسن بن أحمد الإصطخري المتوفى سنة 328 ،
على ما يقال كما في تاريخ ابن خلكان ، ومرآة الجنان لليافعي وغيرهما ، قال الماوردي
في [ الأحكام السلطانية ] ص 209 فمن شروط والي الحسبة ، أن يكون حرا ،
عدلا ، ذا رأي وصرامة ، وخشونة في الدين ، وعلم بالمنكرات الظاهرة ، واختلف
الفقهاء من أصحاب الشافعي هل يجوز له أن يحمل الناس فيما ينكره من الأمور التي
اختلف الفقهاء فيها على رأيه واجتهاده أم لا ؟ على وجهين : أحدهما وهو قول أبي سعيد
الإصطخري أن له أن يحمل ذلك على رأيه واجتهاده ، فعلى هذا يجب على المحتسب
أن يكون عالما من أهل الاجتهاد في أحكام الدين ليجتهد رأيه فيما اختلس فيه . ا ه
وقال رشيد الدين الوطواط المتوفى سنة 573 : إن أولى الأمور بأن تصرف
أعنة العناية إلى ترتيب نظامه ، وتقصر الهمم على مهمة إتمامه ، أمر يتعلق به ثبات
الدين ، ويتوقف عليه صلاح المسلمين ، وهو أمر الاحتساب ، فإن فيه تثبيت الزايغين
هامش
( 1 ) كما في تاريخ ابن خلكان تاريخ ابن كثير . مرآة الجنان ، رياض العلماء . دائرة
المعارف الاسلامي ، دائرة المعارف لفريد وجدي ، الأعلام للزركلي .