الخلافة الدامغة من كتاب وسنة ، وتبسط في رواية حديث الغدير ، فترى كل فرد
من أفراد تلكم الآلاف المؤلفة يلهج بها ، رافعا عقيرته ، مبتهجا بما اختصه الله من
منحة الولاية والهداية إلى صراطه المستقيم ، ويرى نفسه راويا لتلك الفضيلة ،
مثبتا لها ، يدين الله بمفادها ، ومن لم يتح له الحظوة بالمثول في ذلك المشعر
المقدس فإنه يتلوها في نائية البلاد ، ويومي إليه من مستقره . وليوم الغدير وظائف
من صوم وصلاة ودعاء ( 1 ) فيها هتاف بذكره ، تقوم بها الشيعة في أمصارها ،
وحواضرها ، وأوساطها ، والقرى ، والرساتيق . فهناك تجد ما يعدون بالملايين ،
أو يقدرون بثلث المسلمين أو نصفهم رواتا للحديث ، مخبتين إليه معتنقين له
دينا ونحلة .
وأما كتب الإمامية في الحديث والتفسير والتاريخ وعلم الكلام فضع يدك
على أي منها تجده مفعما بإثبات قصة الغدير والاحتجاج بمؤداها ، فمن مسانيد
عنعنتها الرواة إلى منبثق أنوار النبوة ، ومراسيل أرسلها المؤلفون إرسال المسلم ،
حذفوا أسانيدها لتسالم فرق المسلمين عليها .
ولا أحسب أن أهل السنة يتأخرون بكثير من الإمامية في إثبات هذا
الحديث ، والبخوع لصحته ، والركون إليه ، والتصحيح له ، والاذعان بتواتره ،
اللهم إلا شذاذ تنكبت عن الطريقة ، وحدت بهم العصبية العمياء إلى رمي
القول على عواهنه ، وهؤلاء لا يمثلون من جامعة العلماء إلا أنفسهم ، فإن المثبتين
المحققين للشأن المتولعين في الفن لا تخالجهم أية شبهة في اعتبار أسانيدهم
التي أنهوها متعاضدة متظافرة بل متواترة ( 2 ) إلى جماهير من الصحابة
هامش
( 1 ) راجع باب ( القربات يوم الغدير ) من كتاب الغدير : ج 1 ص 401 - 411 .
( 2 ) رواه أحمد بن حنبل من أربعين طريقا ، وابن جرير الطبري من نيف وسبعين طريقا ،
والجزري المقري من ثمانين طريقا ، وابن عقدة من مائة وخمس طرق ، وأبو سعيد
السجستاني من مائة وعشرين طريقا ، وأبو بكر الجعابي من مائة وخمس وعشرين طريقا ،
وفي تعليق هداية العقول = ص 30 عن الأمير محمد اليمني ( أحد شعراء الغدير في القرن
الثاني عشر ) : إن له مائة وخمسين طريقا ( غ 1 / 14 ) .