وهلا كان يعرف الباغية من الفئتين ؟ وهل كان يزعم بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبر عن الفتن
بعده وإنها تغشى أمته كقطع الليل المظلم ( 1 ) وترك الأمة مغمورة في مدلهماتها ، هالكة
في غمراتها ، ولم يعبد لها طريق النجاة ، وما رشدها إلى مهيع الحق ، ولم ينبس عما
ينجيها ببنت شفة ؟ حاشى نبي الرحمة عن ذلك ، وهو صلى الله عليه وآله لم يبق عذرا لأي أحد
من عرفان الباغية من الطائفتين في تلكم الحروب ، ولم يك يخفى حكمها على أي ديني
قال مولانا أمير المؤمنين : لقد أهمني هذا الأمر وأسهرني ، وضربت أنفه وعينيه فلم
أجد إلا القتال أو الكفر بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه ، إن الله تبارك وتعالى لم يرض
من أوليائه أن يعصى في الأرض وهم سكوت مذعنون ، لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون
عن المنكر ، فوجدت القتال أهون علي من معالجة الأغلال في جهنم ( 2 ) .
أكان في أذن ابن عمر وقر عن سماع ذلك الهتاف القدسي بمثل قوله صلى الله عليه وآله
لعائشة : كأني بك تنبحك كلاب الحوأب تقاتلين عليا وأنت له ظالمة .
وقوله لزوجاته : كأني بإحداكن قد نبحها كلاب الحوأب ، وإياك أن تكوني
أنت يا حميراء .
وقوله لها : انظري أن لا تكوني أنت .
وقوله للزبير : إنك تقاتل عليا وأنت ظالم له .
وقوله : سيكون بعدي قوم يقاتلون عليا على الله جهادهم ، فمن لم يستطع جهادهم
بيده فبلسانه ، فمن لم يستطع بلسانه فبقلبه ، ليس وراء ذلك شئ . [ حقا جاهد ابن
عمر في الخلاف على قول رسول الله هذا بلسانه وقلبه ما استطاع ] .
وقوله لعلي : يا علي ستقاتل الفئة الباغية وأنت على الحق ، فمن لم ينصرك
يومئذ فليس مني .
وقوله له : ستقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين .
وقوله له : أنت فارس العرب وقاتل الناكثين والمارقين والقاسطين .
وقوله لأم سلمة لما رأى عليا : هذا والله قاتل القاسطين والناكثين والمارقين
من بعدي .
هامش
( 1 ) صحيح الترمذي 9 : 49 ، مستدرك الحاكم 4 : 438 ، 440 ، كنز العمال 6 : 31 ، 37 .
( 2 ) كتاب صفين ص 542 .