رمت إفساد أمره ، وقعدت في بيتك ، واستغويت عصابة من الناس حتى تأخروا عن بيعته ،
ثم كرهت خلافة عمر وحسدته ، واستطالت مدته وسررت بقتله ، وأظهرت الشماتة
بمصابه ، حتى إنك حاولت قتل ولده لأنه قتل قاتل أبيه ، ثم لم تكن أشد منك
حسدا لابن عمك عثمان . إلخ .
وقوله في كتاب له إليه عليه السلام : أما بعد : فإنا كنا نحن وإياكم يدا جامعة ، وألفة أليفة ،
حتى طمعت يا بن أبي طالب ! فتغيرت وأصبحت تعد نفسك قويا على من عاداك بطغام
أهل الحجاز ، وأوباش أهل العراق ، وحمقى الفسطاط ، وغوغاء السواد ، وأيم الله لينجلين
عنك حمقاها ، ولينقشعن عنك غوغاؤها انقشاع السحاب عن السماء .
قتلت عثمان بن عفان ، ورقيت سلما أطلعك الله عليه مطلع سوء ، عليك لا لك
وقتلت الزبير وطلحة ، وشردت أمك عائشة ، ونزلت بين المصرين فمنيت وتمنيت ،
وخيل لك أن الدنيا فد سخرت لك بخيلها ورجلها ، وإنما تعرف أمنيتك ، لو قد
زرتك في المهاجرين من الشام بقية الاسلام ، فيحيطون بك من ورائك ، ثم يقضي الله
علمه فيك ، والسلام على أولياء الله ( 1 ) .
فأي أحد من غوغاء الناس ومن جهلة الأمة يحسب في صاحب هذه الكلمات
المخزية نزعة دينية ؟ أو حياءا وانقباضا في النفس ولو قيد شعرة ؟ أو بخوعا إلى كتاب
الله وهو يطهر أهل البيت وعلي سيد العترة ، ويراه نفس النبي صلى الله عليه وآله وقرن ولايته
بولاية الله وولاية رسوله وطاعته بطاعتهما ؟ !
نعم : هكذا فليكن رضيع ثدي هند ، وربيب حجر حمامة ، والناشئ تحت راية البغاء ،
ووليد بيت أمية ، وثمرة تلك الشجرة الملعونة في القرآن ، هكذا يسرف معاوية في القول ،
ويجازف مفرطا فيه ، وما يلفظ من قول إلا ولديه رقيب عتيد ، وهو سرف الفؤاد لا يعبأ بما
تلقته الأمة بالقبول من قول نبيها في علي عليه السلام : أنت الصديق الأكبر ، أنت الفاروق
الذي تفرق بين الحق والباطل ، وأنت يعسوب الدين .
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : علي مع القرآن والقرآن معه لا يفترقان حتى يردا علي الحوض .
هامش
( 1 ) توجد هذه الكتب على تفصيلها في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 : 41 ، 412 ،
448 ، وج 4 : 50 ، 51 ، 201 ، وهي مبثوثة في جمهرة الرسائل 1 ص 398 - 483 .