أما بعد : فقد أتاني كتابك وفهمت ما ذكرت فيه من إبطاء الناس عن البيعة ولا
سيما بني هاشم وما ذكر ابن الزبير ، وقد كتبت إلى رؤسائهم كتبا فسلمها إليهم وتنجز
جواباتها وابعث بها حتى أرى في ذلك رأيي ، ولتشد عزيمتك ، ولتصلب شكيمتك ،
وتحسن نيتك ، وعليك بالرفق ، وإياك والخرق ، فإن الرفق رشد ، والخرق نكد ،
وانظر حسينا خاصة فلا يناله منك مكروه ، فإن له قرابة وحقا عظيما لا ينكره مسلم ولا
مسلمة ، وهو ليث عرين ، ولست آمنك أن تشاوره أن لا تقوى عليه . فأما من يرد مع
السباع إذا وردت ، ويكنس إذا كنست فذلك عبد الله بن الزبير ، فاحذره أشد الحذر ،
ولا قوة إلا بالله ، وأنا قادم عليك إن شاء الله . والسلام ( 1 ) .
قال الأميني : يقولون بأفواهم ما ليس في قلوبهم . نعم : والحق أن للحسين
ولأبيه وأخيه قرابة وحقا عظيما لا ينكره مسلم ولا مسلمة إلا معاوية وأذنابه الذين
قلبوا عليهم ظهر المجن بعد هذا الاعتراف الذي جحدوا به واستيقنته أنفسهم ، بعد أن
حليت الأيام لهم درتها ، فضيعوا تلك القرابة ، وأنكروا ذلك الحق العظيم ، وقطعوا
رحما ماسة إن كان بين الطلقاء وسادات الأمة رحم .
هيهات لا قربت قربى ولا رحم * يوما إذا أقصت الأخلاق والشيم
كانت مودة سلمان له رحما * ولم يكن بين نوح وابنه رحم ( 2 )
كتاب معاوية إلى الحسين عليه السلام :
أما بعد : فقد انتهت إلي منك أمور لم أكن أظنك بها رغبة عنها ، وإن أحق
الناس بالوفاء لمن أعطي بيعته من كان مثلك في خطرك وشرفك ومنزلتك التي أنزلك
الله بها ، فلا تنازع إلى قطيعتك ، واتق الله ، ولا تردن هذه الأمة في فتنة ، وانظر
لنفسك ودينك وأمة محمد ، ولا يستخفنك الذين لا يوقنون .
فكتب إليه الحسين رضي الله عنه :
أما بعد : فقد جاءني كتابك تذكر فيه أنه انتهت إليك عني أمور لم تكن
هامش
( 1 ) الإمامة والسياسة لابن قتيبة 1 : 144 - 146 .
( 2 ) من قصيدة للأمير أبي فراس الشهيرة .