تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الغدير — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
المؤمنين إجعلها في ذنوبك التي تتوب منها . فخلى سبيلها ، فكان أول حد ترك في الاسلام ( 1 ) . قال الأميني : أفهل عرف معاوية من هذا اللص خصوصية استثنته من حكم الكتاب النهائي العام " السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " ؟ ! أم أن الرأفة بأمه تركت حدا من حدود الله لم يقم ؟ ! وفي الذكر الحكيم : من يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ( 2 ) تلك حدود الله فلا تعتدوها ، ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ( 3 ) ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها ( 4 ) أم أنه كان لمعاوية مؤمن من العقاب غدا وإن تعمد اليوم بإلغاء حد من حدود الله ؟ وهل نية التوبة عن المعصية تبيح اجتراح تلك السيئة ؟ أن هذا لشئ عجاب ، ومن ذا الذي طمنه بأنه سيوفق للتوبة عنها ولا يحول بينه وبينها ذنوب تسلبه التوفيق ، أو عظائم تسلبه الإيمان ، أو استخفاف بالشريعة ينتهي به إلى نار الخلود ؟ ويظهر منه أن التعمد باقتراف الذنوب بأمل التوبة كان مطردا عند معاوية ، وهذا مما يخل بأنظمة الشريعة ، ونواميس الدين ، وطقوس الاسلام ، فإن النفوس الشريرة إنما تترك أكثر المعاصي خوفا من العقوبة الفعلية ، فإن زحزحت عنها بأمثال هذه التافهات لم يبق محظور - يفسد النفوس ، ويقلق السلام ، ويعكر صفو الاسلام - إلا وقد عمل به ، وهذا نقص لغاية التشريع ، وإقامة الحدود الكابحة لجماح الجرأة على الله ورسوله . وهب أن التوبة مكفرة للعصيان في الجملة ، ولكن من ذا الذي أنبأه إنها من تلك التوبة المقبولة ؟ إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم ، وكان الله عليما حكيما ، وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار ، أولئك اعتدنا لهم عذابا أليما ( 5 ) .
هامش
( 1 ) الأحكام السلطانية ص 219 ، تاريخ ابن كثير 8 : 136 ، محاضرة السكتواري ص 164 ( 2 ) سورة الطلاق : 1 . ( 3 ) سورة البقرة : 229 . ( 4 ) سورة النساء : 14 . ( 5 ) سورة النساء : 17 ، 18 .
الغدير — صفحة 214 | الشيخ عبد الحسين الأميني (العلامة الأميني)