المؤمنين إجعلها في ذنوبك التي تتوب منها . فخلى سبيلها ، فكان أول حد ترك في
الاسلام ( 1 ) .
قال الأميني : أفهل عرف معاوية من هذا اللص خصوصية استثنته من حكم الكتاب
النهائي العام " السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " ؟ ! أم أن الرأفة بأمه تركت حدا من
حدود الله لم يقم ؟ ! وفي الذكر الحكيم : من يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ( 2 ) تلك
حدود الله فلا تعتدوها ، ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ( 3 ) ومن يعص الله
ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها ( 4 ) أم أنه كان لمعاوية مؤمن من العقاب
غدا وإن تعمد اليوم بإلغاء حد من حدود الله ؟ وهل نية التوبة عن المعصية تبيح اجتراح تلك
السيئة ؟ أن هذا لشئ عجاب ، ومن ذا الذي طمنه بأنه سيوفق للتوبة عنها ولا يحول
بينه وبينها ذنوب تسلبه التوفيق ، أو عظائم تسلبه الإيمان ، أو استخفاف بالشريعة ينتهي به
إلى نار الخلود ؟ ويظهر منه أن التعمد باقتراف الذنوب بأمل التوبة كان مطردا عند معاوية ،
وهذا مما يخل بأنظمة الشريعة ، ونواميس الدين ، وطقوس الاسلام ، فإن النفوس الشريرة
إنما تترك أكثر المعاصي خوفا من العقوبة الفعلية ، فإن زحزحت عنها بأمثال هذه التافهات
لم يبق محظور - يفسد النفوس ، ويقلق السلام ، ويعكر صفو الاسلام - إلا وقد عمل به ،
وهذا نقص لغاية التشريع ، وإقامة الحدود الكابحة لجماح الجرأة على الله ورسوله .
وهب أن التوبة مكفرة للعصيان في الجملة ، ولكن من ذا الذي أنبأه إنها من تلك
التوبة المقبولة ؟ إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب
فأولئك يتوب الله عليهم ، وكان الله عليما حكيما ، وليست التوبة للذين يعملون السيئات
حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار ، أولئك
اعتدنا لهم عذابا أليما ( 5 ) .
هامش
( 1 ) الأحكام السلطانية ص 219 ، تاريخ ابن كثير 8 : 136 ، محاضرة السكتواري ص 164
( 2 ) سورة الطلاق : 1 .
( 3 ) سورة البقرة : 229 .
( 4 ) سورة النساء : 14 .
( 5 ) سورة النساء : 17 ، 18 .