وهذا الّذي يستفاد من غير واحد من آيات الكتاب العزيز ؛ نظير قوله تعالى :
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ * كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ * لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ * فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
« 1 » ؛ فكلّ ما هناك من النعيم والمثوبات إنّما هو بفضله وإحسانه سبحانه وتعالى .
قال الفخر الرازي في تفسيره « 2 » :
احتجّ أصحابنا بهذه الآية على أنّ الثواب يحصل تفضّلا من اللّه تعالى ، لا بطريق الاستحقاق ؛ لأنّه تعالى لمّا عدّ أقسام ثواب المتّقين بيّن أنّها بأسرها إنّما حصلت على سبيل الفضل والإحسان من اللّه تعالى . ثمّ قال تعالى :
ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ،
واحتجّ أصحابنا بهذه الآية على أنّ التفضيل أعلى درجة من الثواب المستحقّ ؛ فإنّه تعالى وصفه بكونه فضلا من اللّه ، ثمّ وصف الفضل من اللّه بكونه فوزا عظيما .
ويدلّ عليه أيضا : أنّ الملك العظيم إذا أعطى الأجير اجرته ، ثمّ خلع على إنسان آخر ، فإنّ تلك الخلعة أعلى حالا من إعطاء تلك الأجرة .
وقال ابن كثير نفسه في الآية الشريفة في تفسيره « 3 » :
ثبت في الصحيح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أنّه قال :
اعملوا وسدّدوا وقاربوا ، واعلموا أنّ أحدا لن يدخله عمله الجنّة . قالوا :
ولا أنت يا رسول اللّه ؟ ! قال : ولا أنا إلّا أن يتغمّدني اللّه برحمة منه وفضل .
وبوسعك استشعار هذا المعنى من الصحيح الّذي أخرجه البخاري في
هامش
( 1 ) - الدخان : 51 و 57 .
( 2 ) - التفسير الكبير 7 : 459 [ 27 / 254 ] .
( 3 ) - تفسير ابن كثير 4 : 147 .