ذهنه ووهمه تأليفا لم يسبق إليه في علمه ، وإن سبق فلا يبالي ، فإنه في ذلك بمنزلة الأول الذي لم يسبقه أحد اليه ، كما تفعله الشعراء والكتاب الفصحاء في اختراع المعاني المبتكرة .
( 58 ) فثم « اختراع » قد سبق إليه ، فيتخيل السامع أنه سرقه . فلا ينبغي للمخترع أن ينظر إلى أحد ، إلا إلى ما حدث عنده خاصة ، إن أراد أن يلتذ ويستمتع بلذة « الاختراع » . ومهما نظر المخترع لأمر ما ، إلى من سبقه فيه ، بعد ما اخترعه ، فربما هلك وتفطرت كبده . وأكثر العلماء بالاختراع ( هم ) البلغاء والمهندسون ، ومن أصحاب الصنائع ، ( أكثرهم ) النجارون والبناؤن .
فهؤلاء ، أكثر الناس اختراعا ، وأذكاهم فطرة ، وأشدهم تصرفا لعقولهم .
( 59 ) فقد صحت حقيقة « الاختراع » لمن استخرج بالفكر ما لم يكن يعلم قبل ذلك ، ولا علمه غيره بالقوة ، أو بالقوة والفعل إن كان من العلوم التي غايتها العمل . والباري - سبحانه - لم يزل عالما بالعالم أزلا ، ولم يكن على حالة لم يكن فيها بالعالم غير عالم : فما اخترع ( - سبحانه - ) في نفسه شيئا لم يكن يعلمه .
( 60 ) فإذ قد ثبت عند العلماء بالله قدم علمه ( - تعالى - ) ، فقد ثبت كونه « مخترعا » لنا بالفعل . لا أنه اخترع مثالنا في نفسه ، الذي هو صورة
الفتوحات المكية ( ط . ج ) — صفحة 80
مساهمون: ابن عربي
ص٨٠