بعد أن يستحكم مرة خمرا وإن آلت إلى الخل وقول أبي الدرداء في المرى تحته الشمس والملح والحيتان فالمرى شيء يتخذه أهل الشام من أهل الكتاب من عصير العنب فيبتاعه المسلمون مرا لا يدرون كيف كان وهذا كقول عمر ولا بأس على امرئ أصاب خلا من أهل الكتاب أن يبتاعه ما لم يعلم أنهم تعمدوا إفسادها ألا تراه إنما رخص لأهل الكتاب دون أهل الإسلام
كذا فعل عمر بن عبد العزيز حين ألقى في خمر أهل السواد ماء أما فعله بخمر أهل الذمة ولا يجوز في خمر المسلمين من هذا شيء
انتهى ما أردت نقله من كلام أبي عبيد
ولم يزل الإشكال في تخليلنا خمر الذمي مع أنه لا يرخص له في تخليلها وكان المقصود ذكر أثر ابن عباس والذي اقتضاه أنه لا شيء يبقى من الكنائس إلا بعهد حيث يجوز العهد كما قدمناه
وأما قول أبي عبيد في بلاد فتحت عنوة فرأى الإمام ردها إلى أهلها وإقرارها في أيديهم على دينهم وذمتهم كفعل عمر في السواد وهذا مذهب لا هو يقول به ولا أحد من الجمهور وإنما يحكى عن أبي حنيفة والصحيح المشهور في سواد العراق أنه فتح عنوة ثم بعد ذلك قال ابن شريح هو الآن ملك رجع إلى أهله بالشراء
وعن أبي حنيفة أنه رد عليهم كما يقتضيه قول أبي عبيد والصحيح عنه وعن غيره أنه وقف حقيقي يمتنع بيعه وعلى هذا هل كان بإنشاء وقف من عمر بعد استرضائه الغانمين أو أن الأمر في ذلك للإمام من غير رضا الغانمين فالشافعي يقول بالأول ويستدل بقول جرير أن عمر رضي الله عنه عوضه من حقه نيفا وثمانين دينارا وعوض امرأة معه يقال لها أم كرز حتى تركت حقها
وقال جماعة غير الشافعي منهم أبو عبيد لم يكن ذلك وإنما عمر كان نقل جريرا وقومه قبل خروجه إلى العراق قال له هل لك في الكوفة وأنفلك الثلث بعد الخمس قال نعم فبعثه قال أبو عبيد فنرى أن عمر إنما خص جريرا وقومه بالنفل المتقدم دون الناس لأنهم أحرزوه وملكوه بالنفل وإنما الإمام مخير في كل بلدة فتحت عنوة في أرضها إن شاء قسمها كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر بين من شهد الوقعة بعد الخمس كما بين في بابه في قوله تعالى واعلموا أنما
فتاوى السبكي — صفحة 393
مساهمون: علي بن عبد الكافي السبكي
ص٣٩٣