إظهار شيء من شرائعهم
وأما البلاد التي لهم فيها السبيل إلى ذلك فما صولحوا عليه فلم ينزع منهم وهو تأويل قول ابن عباس فمن بلاد الصلح أرض هجر والبحرين وأيلة ودومة الجندل وأذرح أدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجزية ومن الصلح بعده بيت المقدس ودمشق ومدن الشام دون أراضيها وكذلك بلاد الجزيرة وقبط مصر وبلاد خراسان وكذلك كل بلاد فتحت عنوة فرأى الإمام ردها إلى أهلها وإقرارها في أيديهم على دينهم وذمتهم كفعل عمر بالسواد وكذلك بلاد الشام كلها عنوة خلا مدنها وكذلك الجبل والأهواز وفارس والمغرب والثغور فهذه بلاد العنوة
وروى أبو عبيد أنه بلغ عمر أن رجلا من أهل السواد أثرى في تجارة الخمر فكتب أن اكسروا كل شيء قديم عليه ووجد في بيت رجل من ثقيف يقال له رويشد فقال أنت فويسق وأمر به فأخرب ونظر إلى غرارة فقال ما هذه قالوا قرية تدعى غرارة يباع فيها الخمر فأحرقها
قال أبو عبيد وجهه أن التجارة في الخمر لم تكن فما شرط لهم وإنما شرط لهم شربها ولهذا كتب عمر بن عبد العزيز لا يحمل الخمر من رستاق إلى رستاق
وقال لعامله على الكوفة ما وجدت منها في السفن فصيره خلا فكتب عامله وهو عبد الحميد بن عبد الرحمن إلى عامله بواسط محمد بن المستنير بذلك فأتى السفن فصب في كل راقود ماء وملحا فصيره خلا
قال أبو عبيد فلم يحل عمر بينهم وبين شربها لأنهم على ذلك صولحوا وحال بينهم وبين حملها والتجارة فيها وإنما نراه أمر بتصييرها خلا وتركها أن يصبها في الأرض لأنها مال من أموال أهل الذمة ولو كانت لمسلم ما جاز إلا إهراقها
وكذلك فعل عمر بمال رويشد حين أحرق عليه منزله فلم يأمره أن يجعلها خلا وكان رويشد مسلما ولم نعلم أحدا رخص في تخليل خمر المسلم إلا الحارث العكلي
وكان ابن سيرين يقول خل العنب ولا يقول خل الخمر
وكان أبو إسحاق الفزاري يأمرهم بالثغر إذا أرادوا اتخاذ الخل من العصير أن يلقوا فيه شيئا من خل ساعة يعصر فتدخل حموضة الخل قبل أن يتبين فلا يعود خمرا أبدا قال أبو عبيد إنما فعل الصالحون هذا تنزها عن الانتفاع بشيء من الخل
فتاوى السبكي — صفحة 392
مساهمون: علي بن عبد الكافي السبكي
ص٣٩٢