فيمكن أهل الذمة من بناء كنيسة فيها
فإن هذه في معنى الأمصار فتكون محل إجماع وتكون الألف واللام في القرى التي جرت عادتها بسكنهم فيها لاشتغالهم بأعمال المسلمين من الفلاحة وغيرها
أو لما يرجى من إسلامهم صاغرين باذلين للجزية فإنا لو لم نبقهم في بلاد الإسلام لم يسمعوا محاسنه فلم يسلموا ولو بقيناهم بلا جزية ولا صغار غروا وأنفوا فبقيناهم بالجزية لا قصدا فيها بل في إسلامهم
ولهذا إذا نزل عيسى عليه السلام لا يقبلها لأن مدة الدنيا التي يرجى إسلامهم فيها فرغت
والحكم يزول بزوال علته فزال حكم قبول الجزية بزوال علته وهو اقتصار إسلامهم وذلك حكم من أحكام شريعة النبي صلى الله عليه وسلم وليس حكما جديدا فإن عيسى عليه السلام إنما ينزل حاكما بشريعة النبي صلى الله عليه وسلم
وبعد أن كتبت هذا وقفت على شرح مجمع البحرين لابن الساعاتي من كتب الحنفية فقال وهذا المذكور إنما هو في الأمصار دون القرى لأن الأمصار محل إقامة الشعائر
وقال صاحب الهداية والمروي في ديارنا يمنعون عن إظهار ذلك في القرى أيضا لأن لها بعض الشعائر
والمروي عن صاحب الهداية رحمه الله في قرى الكوفة لأن أكثر أهلها أهل الذمة وفي أرض العرب يمنعون من ذلك في أمصارهم وقراهم
وفي الكافي من كتب الحنفية لحافظ الدين قريب من ذلك .
* ( باب الآثار في ذلك ) *
أما عمر رضي الله عنه فسنفرد لشروطه بابا . وروى جماعة من العلماء أنه أمر بهدم كل كنيسة لم تكن قبل الإسلام وأمر أن لا يظهر صليب إلا كسر على ظهر صاحبه . وهذا الأثر في تاريخ دمشق لابن عساكر من رواية الحكم بن عبد الله بن خطاف وهو متروك عن الزهري عن سالم عن أبيه عن عمر
ومعناه متفق عليه بين العلماء كما قاله الطرطوشي في سراج الملوك فإن الكنائس الحادثة في الإسلام لا تبقى في الأمصار إجماعا ولا في القرى عند أكثر العلماء
وقول أبي حنيفة بإبقائها في القرى بعيد لا دليل عليه ولعله أخذه من مفهوم قول ابن عباس الذي سنحكيه في المصر ونحن نقول إنما نعني بالمصر أي موضع كان مدينة أو قرية
فتاوى السبكي — صفحة 388
مساهمون: علي بن عبد الكافي السبكي
ص٣٨٨