يكونوا تحت الذلة وكانت كتابة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنذر بن ساوى بعد إجلاء قريظة والنضير بمكة وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي فأسلم عنده الحبشة ولم يأمره بإخراجهم وكتب إلى عبدة من أهل اليمن وأمرهم أن يجمعوا الصدقة والجزية فيدفعوها إلى معاذ بن جبل ولم يأمرهم بإخراج أهل الجزية ولا فرق بين المحتاج إليهم وغيرهم
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل في آخر عمره في حجة الوداع إلى اليمن وأمره في الجزية أن يأخذها من كل حالم دينارا ولم يفرق بين من بالمسلمين حاجة إليهم وغيرهم وقد نزلت في تلك الحجة اليوم أكملت لكم دينكم فلم يحدث بعدها أحكام ولم يخرجوا أهل اليمن بعده فالذي يظهر أن إخراج اليهود والنصارى إنما هو من الحجاز كما هو المعروف ولا يتعدى إلى غيره إلا أن يرى الإمام المصلحة في إجلاء طائفة منهم من مصر أو مدينة إلى مكان آخر يراه فله ذلك إلى حسب النظر للمسلمين
وهذا لا ينبغي أن يقال إلا إذا كان الإمام مثل عمر بن عبد العزيز وإلا فيخشى أن يخرج من شاء ويبقي من شاء بحسب هوى نفسه وغرضه قول النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته أخرجوا اليهود والنصارى وهو وصية لأمته بما يفعلونه بعده من ذلك وجوازه متقرر قبل ذلك ألا ترى قوله تعالى ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء وذلك قبل موته صلى الله عليه وسلم بسنتين فلا يرد على قولنا أن الدين كمل في حجة الوداع وإنما هو تنفيذ ما تقرر جوازه وتحتمه بحسب ما علمه صلى الله عليه وسلم وعمل به عمر بعده فلا يجوز تغييره من الحجاز
وأما غير الحجاز فيكون النظر فيه للإمام ولا نقول إنه واجب كما قال ابن جرير فيضيق الأمر ولا يمتنع بل بحسب المصلحة ما لم تكن حاجة أو صلح ومتى شك في صلح متقدم فالذي يظهر أنه إن ادعي صلح قريب يمكن إثباته من إمام معين لم يقبل إلا ببينة وإن بعد العهد واحتمل الصلح من بعض الأئمة أو من المؤمنين في بعض الأزمنة من غير تعيين وجب إبقاء من احتمل ذلك في حقه ولا يكلف ببينة عملا بالاستصحاب كاليد ولهذا نظير وهو من كان في يده شيء يقول إنه ملكه من شخص لم يعينه
فتاوى السبكي — صفحة 385
مساهمون: علي بن عبد الكافي السبكي
ص٣٨٥