الهدم ما قال التبقية فإن التبقية تستلزم فعل ما يقتضي البقاء كما في الغراس والبناء الذي يجب إبقاؤهما فلم يرد في البيع والكنائس مثل ذلك لأنا إنما نعتمد الأدلة الشرعية
والدليل الشرعي في هذا النوع هو الذي ذكرناه فلا يتعدى وذكر ابن سعد في الطبقات في وفد نجران أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل نجران فخرج وفدهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم نصارى منهم العاقب أميرهم وأبو الحارث أسقفهم والسيد صاحب رحلهم فدخلوا المسجد وعليهم ثياب الحبرة وأردية مكفوفة بالحرير فقاموا يصلون في المسجد نحو المشرق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوهم ثم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأعرض عنهم فلم يكلمهم فقال لهم عثمان ذلك من أجل زيكم هذا فانصرفوا ثم غدوا عليه بزي الرهبان فسلموا عليه فرد عليهم ودعاهم إلى الإسلام فأبوا وأكثروا الكلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أنكرتم ما أقول فهلم أباهلكم فامتنعوا من المباهلة وطلبوا الصلح فصالحهم على هذا
وقال فيه على نفسهم وملتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وبيعهم لا يغير أسقف من سقيفاه ولا راهب من رهبانيته فرجعوا إلى بلادهم فلم يلبث السيد والعاقب إلا يسيرا حتى رجعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلما فأنزلهما دار أبي أيوب وأقام أهل نجران على ما كتب حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحمة الله ورضوانه ثم ولي أبو بكر فكتب بالوصاة بهم عند وفاته ثم أصابوا ربا فأخرجهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أرضهم وكتب لهم من سار منهم فإنه آمن بأمان الله لا يضرهم أحد من المسلمين وفاء لهم بما كتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر
فمن وقعوا به من أمراء الشام وأمراء العراق فليوسقهم من جريب الأرض فما اعتملوا من ذلك فهو لهم صدقة بمكان أرضهم لا سبيل عليهم فيه لأحد ولا مغرم فمن حضرهم فلينصرهم على من ظلمهم فإنهم أقوام أهل ذمة وجزيتهم عنهم متروكة أربعة عشر شهرا بعد أن يقدموا فوقع ناس منهم بالعراق فنزلوا النجرانية التي بناحية الكوفة
فانظر كم في هذه القصة من فائدة وتركهم لما وصلوا إلى المشرق ليس إحداث فعل من المسلمين تأنيس لهم رجاء إسلامهم
فتاوى السبكي — صفحة 378
مساهمون: علي بن عبد الكافي السبكي
ص٣٧٨