يكون معنى قوله بدىء به الأمر وختم ، بدىء به أمر الوجود وختم به أمر الرسالة .
هذا ، وقد شاع بين جمهور الصوفية الاستدلال بالحديث : « كنت نبياً وآدم بين الماء والطين » على أزلية محمد ( الحقيقة المحمدية ) ، ولكن الغزالي يخالفهم في ذلك قائلًا إن المراد من الحديث النص على أن النبي عليه السلام قد قدر له أزلًا أن يكون نبياً قبل أن يخلق الله آدم أو أي مخلوق آخر . وتفسير الغزالي لا يبين جهة الاختصاص في حالة النبي عليه السلام ، لأن كل نبي آخر قد قدر له أزلًا أن يكون نبياً قبل خلق آدم .
( 3 ) « وأول الأفراد الثَلاثةُ . . . إلى قوله والدليل دليل لنفسه » .
أول الأعداد الفردية هو الثلاثة لا الواحد ، لأن الواحد عندهم ليس بعدد وإنما هو أصل الأعداد . وما زاد على الثلاثة من الأعداد الفردية فهو متفرع عنها ، كالخمسة المتفرعة عن الثلاثة بإضافة جزئين منها إلا نفسها ، والتسعة المتفرعة عن الثلاثة بضربها في نفسها وهكذا . وعلى أساس هذه الفكرة العددية بنى ابن عربي فكرة ميتافيزيقية موازية لها ، لا فيما يذكره عن « محمد » باعتباره مظهراً للاسم الإلهي « الفرد » ، بل في كل ما يقوله عن عملية الخلق التي يرجعها إلى الفردية الثلاثة .
فأول صورة تعينت فيها الذات الإلهية كانت ثلاثية ، لأن التعين كان في صورة العلم حيث العلم والعالِم والمعلوم حقيقة واحدة . وقد كان هذا التعين الأول تعيناً حُبيًّا أيضاً ، حيث الحب والمحب والمحبوب حقيقة واحدة ، وإلى هذا أشار ابن عربي في قوله :
تثلث محبوبي وقد كان واحداً * كما صيروا الأقنام بالذات أقنما ( 1 )
وأول حضرة إلهية ظهر عنها العالم ثلاثية أيضاً ، لأنها حضرة الذات الإلهية المتصفة بجميع الأسماء والصفات ، وهي التي تسمى في اصطلاح القوم « حقيقة الحقائق » و « البرزخ الجامع » وغير ذلك من الأسماء . وعملية الخلق أيضاً ثلاثية ، لأنها تقتضي
هامش
( 1 ) ترجمان الأشواق ط . بيروت 1312 ه ص 42 . قارن الفتوحات ج 3 ص 171 .