الفص السابع والعشرون
( 1 ) « الكلمة المحمدية » .
شاع من أوائل عهد الإسلام القول بأزلية محمد عليه السلام ، أو بعبارة أدق بأزلية « النور المحمدي » . وهو قول ظهر بين الشيعة أولًا ولم يلبث أهل السنة أن أخذوا به ، واستند الكل في دعواهم إلى أحاديث يظهر أن أكثرها موضوع . من ذلك أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : « أنا أول الناس في الخلق » ومنها :
« أول ما خلق الله نوري » ، ومنها : « كنت نبياً وآدم بين الماء والطين » وغير ذلك من الأحاديث التي استنتجوا منها أنه كان لمحمد عليه السلام وجود قبل وجود الخلق ، وقبل وجوده الزماني في صورة النبي المرسل ، وأن هذا الوجود قديم غير حادث ، وعبروا عنه بالنور المحمدي . وقد أفاضت الشيعة في وصف هذا النور المحمدي ، فقالوا إنه ينتقل في الزمان من جيل إلى جيل ، وأنه هو الذي ظهر بصورة آدم ونوح وإبراهيم وموسى وغيرهم من الأنبياء ثم ظهر أخيراً بصورة خاتم النبيين محمد عليه السلام . وبهذا أرجعوا جميع الأنبياء من آدم إلى محمد ، وكذلك ورثة محمد إلى أصل واحد . وهو قول نجد له صدى في الغنوصية المسيحية . يقول الأب كليمنت الإسكندري : « ليس في الوجود إلا نبي واحد وهو الإنسان الذي خلقه الله على صورته ، والذي يحل فيه روح القدس ، والذي يظهر منذ الأزل في كل زمان بصورة جديدة » .
نجد لكل هذا الكلام نظيراً في كتب ابن عربي فيما يسميه الكلمة المحمدية أو الحقيقة المحمدية أو النور المحمدي . فهو لا يقصد بالكلمة المحمدية في هذا الفص محمداً الرسول ، وإنما يقصد الحقيقة المحمدية التي يعتبرها أكمل مجلىً خَلْقِيّ ظهر فيه الحق ،
فصوص الحكم — صفحة 319
مساهمون: ابن عربي
ص٣١٩