غير أننا يجب ألا نغفل عن الفرق الكبير بين الحلاج وابن عربي : فالأول حلولي يرى أن الله قد يحل في الإنسان فتظهر بذلك كمالاته وأسرار ألوهيته . أما الثاني فاتحادي يرى أن الإنسان هو المظهر الكامل الدائم لله ، وأنه لا فرق بين ناسوت ولاهوت إلا بالاعتبار . ولذلك قال :
فكن حقاً وكن خلقاً * تكن با لله رحمانا
أي اعتبر نفسك هذا أو ذاك ، فأنت حق من وجه وخلق من وجه ، وأنت حق وخلق معاً . وإذا نظرت إلى نفسك هذه النظرة كنت مظهراً كاملا للاسم « الرحمن » الذي هو جماع الأسماء الإلهية كلها . وقد عرفنا فيما سبق أن المراد بالاسم الرحمن الاسم الذي يعطي الموجودات حظها من الوجود الذي تتطلبه أعيانها . فهو مرادف للوجود المطلق الذي هو الحق . وعلى ذلك فالإنسان هو المظهر الكامل للوجود كما أنه المظهر الكامل للأسماء ( قارن الفص الأول :
التعليق الخامس ) .
( 14 )
« وغذ خلقه منه * تكن رَوْحاً وريحاناً »
ذكر فيما مضى تشبيه الحق الساري في الخلق بالغذاء الذي يسري في الجسم ويقومه ( الفص الخامس : التعليق الأول ) . والمراد بالبيت : اعتبر الحق غذاء للخلق لأنه هو الذي يمد الخلق بوجودهم وحياتهم كما يمد الغذاء الجسم المتغذي بحياته . وقد عبر عن هذه الحياة بالريحان . أما الروح بفتح الراء وسكون الواو فهو الراحة ، والمراد به التفريج عن الكرب الذي كانت تضطرب به أعيان الموجودات التائقة إلى الوجود كيما تمنَحَ الوجود . والخطاب هنا موجه إلى الإنسان الكامل - الخليفة - الذي هو سر الوجود وعلته . فبوجوده عمت الرحمة جميع الموجودات كما قلنا ، وشملتهم الراحة واستنشقوا رائحة الريحان .
على أن « التغذية » ليست من الحق للخلق فحسب ، بل هي من الخلق للحق
فصوص الحكم — صفحة 190
مساهمون: ابن عربي
ص١٩٠