أيضاً ، فإن الخلق يغذي الحق بإظهار كمالات أسمائه وصفاته التي لم تكن لتوجد لولا وجود الخلق . ولذلك قال :
« فأعطيناه ما يبدو * به فينا وأعطانا »
أي فأعطيناه الظهور وأعطانا الوجود .
« فصار الأمر مقسوما * بإياه . وإيانا »
أي فصار أمر الوجود منقسماً بين الحق والخلق : إذ هو حق في خلق وخلق في حق ، أو فصار المعطى منقسماً إلى ما يعطيه الحق للخلق وما يعطيه الخلق للحق .
« فأحياه الذي يدري * بقلبي حين أحيانا »
الضمير في أحياه عائد على الحق ، والجار والمجرور في « بقلبي » متعلق بأحيا أو بيدري . والمعنى أن الجزء الخاص في القلب الذي له صفة المعرفة قد أحيا الله في القلب كما أحيا الله الناس . ومعنى إحياء الله في القلب إيجاد صورة له فيه من صور المعتقدات . وهذا معنى طرفه ابن عربي مراراً فيما مضى . وفي ذلك قوله :
« لذاك الحق أوجدني * فأعلمه فأوجده »
( الفص الخامس ) وقد يكون للبيت معنى آخر وهو الذي ذهب إليه « بالي » في شرحه على الفصوص إذ اعتبر الضمير في أحياه عائداً على القلب المتأخر لفظاً المتقدم معنى :
فأصبح معنى البيت على حد فهمه : أحيا قلبي بالحياة العلمية الحقُّ الذي يدري قلبي ويعلم استعداده الأزلي : فهو يحيينا بالحياة العلمية الروحية كما أحيانا بالحياة الحسية .
« فكنا فيه أكوانا * وأعيانا وأزمانا »
« كان » في كنا تفيد الاستمرار لا الزمان الماضي المنقطع كما في قوله تعالى :
« كانَ الله غَفُوراً رَحِيماً » . والمراد أننا على الدوام في الحق : ففيه كوننا ووجودنا وفيه دواتنا التي هي أعياننا . وهذا إشارة إلى ما يسميه أصحاب وحدة الوجود بمقام قرب الفرائض ، وهو مقام الوحدة الذاتية الحاصلة بالفعل بين الحق والخلق .
فصوص الحكم — صفحة 191
مساهمون: ابن عربي
ص١٩١