تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فصوص الحكم — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
نَفْسٍ إلهية تتفتح فيها صور العالم ، أي أن القرآن لم يحدثنا عن جوهر روحي عام تتعين فيه صور الموجودات في العالم ، وإن ذكر لنا أن الله هو واهب الحياة لكل كائن حي . ولذلك كان من الواجب أن نبحث عن أصل ما يقوله ابن عربي في هذا الصدد في مصدر آخر غير القرآن ، وأغلب الظن عندي أنه استمد فكرة النفس الكلية التي تفتحت فيها صور العالم ، من الكتابات الهلينية المتأخرة المتأثرة بالفلسفة الهرميسية . فقد ذكر في المقالة التاسعة من مجموعة الفلسفة الهرميسية ( 1 ) إن نَفَس الحياة الساري في العالم على الدوام يمد الأجسام بما يتعاقب عليها من الصفات ، ويجعل من العالم كتلة واحدة حية . وفي موضع آخر « إن الحياة والعقل يُنْفَخان نفخاً في كل ذي روح من الموجودات ، وإن الله قد نفخ الحياة والعقل في العالم منذ أنشأته » . وليس هذا النّفَس الساري في الوجود الذي نفخ به الله في كل كائن ، سوى ما يسميه ابن عربي بالنفس الرحماني على ما بين الفكرتين من اختلاف في التفاصيل . وسواء أقلنا - كما يقول النص - إن النَّفَس الإلهي قد قبل صور العالم أو إن صور العالم قد قبلته ، فإننا في الحالين يجب ألا نفهم من القبول والإعطاء معناهما الحرفي ، فإن اثنينية القابل والفاعل ليست إلا اثنينية اعتبارية كما قررنا فيما سبق . ولما ذكر النفس الرحماني وقارن بينه وبين النفس الحيواني رأى أن ينسب إلى النفس جميع ما يستلزمه من التَّنفيس ، وقبول صور الحروف والكلمات ، ووجود الفاعل ( النافخ ) والقابل ( المنفوخ فيه ) وحرارة النَّفَس ثم برودته ، ورطوبته ، وصعوده وهبوطه وغير ذلك . أما التَّنْفيس وقبول صور الكلمات فقد مر ذكرهما ، وأما الفاعل والقابل فهما الطبيعة وهيولى العالم على التوالي . والمراد بالطبيعة القوة الكلية السارية في جميع الموجودات عقولًا كانت أو نفوساً ،
هامش
( 1 ) Hermetica B , W . Scott's tramslation vol . 1 , Libellus IX P . 183
فصوص الحكم — صفحة 193 | ابن عربي