الفصل الرابع ظهور علم الكلام والمتكلّمين الأول
أشرنا في مقدّمة كتابنا إلى أنّ عددا من النوبختيّين كانوا في مصافّ المتكلّمين الكبار بين الإماميّة . وتزامن عصرهم مع اندفاع الفرق الإسلاميّة المختلفة للانطلاق بآرائها ومقالاتها ومناظرة مناوئيها . ونفقت يومئذ سوق المباحثة والمجادلة والمناظرة تماما بسبب ترجمة كتب الإغريق في الفلسفة والمنطق ، والكتب الدينيّة لغير المسلمين ومقالاتهم ، بخاصّة الزنادقة ، وأتباع ماني ، وأصحاب مرقيون « 1 » ،
هامش
( 1 ) - كان مرقيون( Marcion )أحد علماء النصارى في القرن الثاني الميلاديّ ، وقد كفّر من قبل النصارى بوصفه مرتدّا ، ونبذ من ساحتهم ، فابتدع له مذهبا جديدا أساسه مقتبس من الدين المسيحيّ لكنّه يغايره بإنكار سماويّة القسم الأعظم من العهد القديم وقسم من العهد الجديد ، واعتقاده بالثنويّة ، أي مبدأي النور والظلمة . وقال هذا الرجل : لمّا كان هذان المبدئان متضادّين لا يمكن اجتماعهما ، فلا بدّ من مبدأ ثالث أوطأ درجة من النور وأعلى من الظلمة يكون بينهما فيمتزج بهما فينشأ العالم من هذا الامتزاج . وينقسم العالم في عقيدة مرقيون إلى ثلاث طبقات ، كلّ واحدة فوق الأخرى ؛ فالطبقة العليا مقرّ اللّه الرحمن ، والسفلى نطاق المادّة ، والوسطى التي هي فوق الأرض مركز قدرة اللّه الخالق ، أي موجد العدالة والشريعة ، الذي أوجد الإنسان من المادّة على صورته . ويعرف أتباع مرقيون بالمرقونيّة ، وهم ينتشرون في إيطاليا ، ومصر ، والشام ، وإيران . وظلّوا في تلك البلدان بعده بمدّة . للتعرّف على موجز من عقائد هذه الفرقة ، انظر : الفهرست 339 ؛ الملل والنحل 195 - 196 ؛ التنبيه والاشراف -