شرح
خاصتها ويعظم أثرها ، ألا ترى أن المياه الكثيرة المتشتتة في أواني متعددة إذا اجتمعت
في مكان واحد كان فائدتها أكبر وأكثر بمراتب مما هي عليه وهي متشتتة ، فالاجماع
في الأفعال أيضا يؤدي إلى كينونة أخرى في المجتمع حسب ما يمدها أفراد الناس من
وجودهم وقواهم وخواصهم وآثارهم ، فتتكون قوى وخواص اجتماعية تقهر القوي
والخواص الفردية عند التعارض والتضاد ، وفي أمثال هذا المجتمع الصالح يكون
أفراده - لا محالة - مقهورين ومضطرين إلى عدم الفساد أيضا ، والعكس صحيح أيضا .
فإنه إذا كان المجتمع فاسدا لم ينجح تربية الأخلاق والغرائز في الفرد ، وهو أساس
وجود المجتمع .
ولذلك كله نرى أن الاسلام وضع أهم أحكامه وشرائعه كالحج والجهاد
والصلاة والزكاة على أساس الاجتماع ، وحافظ على ذلك .
وجعل إلى جانب كل ذلك
فريضة الدعوة إلى الخير ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر . كي يجعل هدف
المجتمع الاسلامي : السعادة الحقيقية ، والقرب والمنزلة عند الله تعالى .
وألقى ضمان إجراء قوانينه أيضا على عهدة المجتمع ، بالإضافة إلى ما تحافظ
عليه الحكومة الاسلامية الشرعية من إجراء الحدود ، وتطبيق القصاص ، والأخذ
بالديات ، والسياسات الصحيحة الحكمية الصادقة المخلصة والنافعة . . .
والآن اتضح أن العقل أيضا يدرك حسن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،
إذ بهما تقام الفرائض ، وتأمن المذاهب ، وترد المظالم ، وتعمر الأرض ، ويستقيم الأمر ،
ويؤول أمر المجتمع إلى العزة والصلاح ، ويذوق حلاوة النعم ، وتلوح عليه آيات
السعادة .
ولذلك فهما واجبان شرعا بإجماع المسلمين ، بل هما من ضروريات الدين ، بل
هما من أعظم الفرائض وأهم الواجبات ، لذلك فهما منهاج الصالحين ، وسبيل الأنبياء ،