بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب الحدود
المقدمة
في [ رواية عائشة و ] تعريف الحدود الشرعية
روي عن السيدة عائشة رضي الله عنها « أن قريشا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت فقالوا : من يكلم فيها رسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلم ؟ ثم قالوا :
من يجترئ عليه إلا أسامة ابن زيد حب رسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلم ، فكلمه أسامة . فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم : يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله ! ثم قام فاختطب . فقال : إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد . وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها » . رواه البخاري ومسلم وغيرهما ( 1 ) .
شرح
( 1 ) هذه الرواية لمسلم وفيها زيادة « يا أسامة » . وفي رواية للبخاري « فتلون » ( أي تغير غيظا ) وجه رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم ، فقال له : أتشفع في حد من حدود الله تعالى ؟ فقال أسامة لما رأى إنكار النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم وغضبه عليه ما أتاه : « استغفر لي يا رسول الله » أي لتحمي تلك الخطيئة ويغفر لي ربي . قال :
« ثم أمر بتلك المرأة فقطعت يدها » . زاد البخاري في رواية عنده عن عائشة رضي الله عنها « ثم تابت بعد وتزوجت » فكانت تأتي لعائشة فترفع حاجتها إلى النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم . واسم المرأة التي سرقت . فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد . وكان هذا الحادث يوم فتح مكة .
والمراد بالذين هلكوا من قبلهم بنو إسرائيل ، حيث صرح بذلك الإمام البخاري في روايته فقال : « إن بني إسرائيل كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه » محاباة ، ومراعاة لشرفه ، فأهلكهم الله للمداهنة والنفاق ، وترك إقامة الحدود الشرعية « وإذا سرق فيهم الضعيف » أي الفقير الذي لا جاه له ولا مال معه ، ولا حسب يحميه ، ينفذون عليه الحكم « وأيم الله » أقسم النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم لهم لتأكيد كلامه ، حيث إن المقام يقتضي ذلك . وهو قسم بالنية ، لا مطلقا ، إذ لا يعرفه إلا الخواص . « لو أن