شرح
قدموا المدينة فاجتووها فبعثهم رسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلم في إبل الصدقة ، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها ، وألبانها ، ففعلوا فصحوا ، فارتدوا عن الإسلام وقتلوا الراعي ، وساقوا الإبل ، فأرسل رسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلم في آثارهم فجيء بهم فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وسمر أعينهم ، وألقاهم في الحرة ، قال أنس ، فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه عطشا ، حتى ماتوا فنزل قوله تعالى * ( إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ الله ورَسُولَه ويَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا ، أَوْ يُصَلَّبُوا ، أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ ، أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ . ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا ، ولَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ) * ( المائدة / 33 ) روي عن عكرمة ، والحسن البصري . وعبد الله ابن عباس رضي تعالى عنهم أن هذه الآية نزلت في المشركين ، وقال ابن عباس :
كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين رسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلم عهد وميثاق ، فينقضوا العهد ، وأفسدوا في الأرض ، فخير الله رسوله إن شاء أن يقتل ، وإن شاء أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، رواه ابن جرير .
والصحيح أن هذه الآية عامة في المشركين وغيرهم ممن ارتكب هذه الصفات الذميمة كما رواه البخاري ومسلم من حديث أي قلابة ، واسمه عبد الله بن زيد الجرمي البصري عن أنس بن مالك « إن نفرا من عكل ثمانية قدموا على رسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلم فبايعوه على الإسلام فاستوحوا المدينة ، وسقمت أجسادهم فشكوا إلى رسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلم ذلك فقال : « ألا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبوا من أبوالها وألبانها » فقالوا : بلى فخرجوا فشربوا من أبوالها وألبانها فصحوا فقتلوا الراعي وطردوا الإبل ، فبلغ ذلك رسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلم فبعث في آثارهم فأدركوا فجيء بهم ، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمرت أعينهم ، ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا » واللفظ لمسلم . وتسمى هذه الآية آية المحاربة - وهي المضادة والمخالفة ، وهي صادقة على الكفر ، وعلى قطع الطريق ، وإخافة السبيل .
وكذا الإفساد في الأرض يطلق على أنواع من الشر حتى قال كثير من السلف منهم سعيد ابن المسيب : إن قبض الدراهم والدنانير من الإفساد في الأرض وقد قال الله تعالى * ( وإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الْحَرْثَ والنَّسْلَ والله لا يُحِبُّ الْفَسادَ ) * ( البقرة / 205 ) .
ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا ) * أي هذه الذي ذكرته من قتلهم ، ومن صلبهم وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، ونفيهم من الأرض خزي لهم بين الناس ، وشر وعار ، ونكال وذلة ، وعقوبة في عاجل الدنيا ، مع ما ادخر الله لهم من العذاب العظيم يوم القيامة وهذا يؤيد قول من قال : ان الآية نزلت في المشركين فأما أهل الإسلام ففي صحيح مسلم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : « أخذ علينا رسول الله صلَّى