شرح
لتحريم الفعل .
وحجتهم في ذلك قوله تعالى * ( وإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِه ) * آية 126 من النحل وقوله تعالى * ( فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْه بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ ) * آية 194 من البقرة . قال القرطبي : لا خلاف بين العلماء أن هذه الآية أصل في التماثل في القصاص ، فمن قتل بشيء قتل بمثل ما قتل به ، وهو قول الجمهور ، ما لم يقتله بفسق كاللواطية ، وإسقاء الخمر . وما روي عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه « ان جارية وجد رأسها قد رض بين حجرين ، فسألوها : من صنع بك هذا فلان ؟ فلان ؟ حتى ذكروا يهوديا ، فأومأت برأسها ، فأخذ اليهودي ، فأقر ، فأمر رسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلم أن ترض رأسه بين حجرين ، متفق عليه ، واللفظ لمسلم .
فالحديث دليل على أنه يجب القصاص بالمثقل ، كالمحدد ، وأنه يقتل الرجل بالمرأة ، وان القاتل يقتل بما قتل به ، قال تعالى * ( وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها ) * .
وبما أخرجه البيهقي من حديث البراء رضي تعالى عنه « ان النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم قال : « من غرّض غرضنا به ، ومن حرق حرقناه ، ومن غرق غرقناه » ومعنى غرّض - أي اتخذه غرضا للسهام ، ولأن المقصود من القصاص التشفي ، وانما يكمل إذا قتل بمثل ما قتل ، وحديث النهي عن المثلة محمول على من وجب قتله ، لا على وجه المكافأة .
ويشترط أن تراعى المماثلة في طريق القتل ، وتراعى في الكيفية والمقدار ، ففي التجويع يحبس مثل تلك المدة ، ويمنع عنه الطعام ، وفي الإلقاء في الماء ، أو النار يلقى في ماء ، ونار مثلهما ، ويترك تلك المدة ، وتشد قوائمه عند الإلقاء في الماء ، ان كان يحسن السباحة ، وفي الخنق ، يخنق بمثل ما خنق ، بمثل تلك المدة ، وفي الإلقاء من الشاهق يلقى من مثله ، وتراعى صلابة الموضع ، وفي الضرب بالمثقل يراعى الحجم ، وعدد الضربات ، وإذا تعذر الوقوف على قدر الحجر ، أو النار ، أو على عدد الضربات ، أخذ اليقين ، وقيل : يعدل إلى السيف ، هذا إذا عزم على أنه ان لم يمت بذلك قتله ، فإن قال ولي الدم : فإن لم يمت به عفوت عنه لم يمكنه لما فيه من التعذيب ، وفي السحر ، يقتل بالسيف لأن عموم السحر حرام ، لا شيء مباح فيشبهه ، ولا ينضبط وفي الخبر « حد الساحر ضربه بالسيف » ولو قتله بمسموم من طعام أو آلة اقتص منه بمثلها إذا لم يكن مهريا يمنع الغسل ، ولو أنهشه حية ، فإن كانت تلك الحية موجودة لم يعدل إلى غيرها ، ولو كانت غير موجودة جاز العدول إلى حية غيرها لتنهشه ، وكذلك لو ألقاه في زريبة أسد فافترسه ، فإنه يلقى أمام الأسد ليفترسه كما فعل ، ولو رجع شهود الزنا بعد رجم المشهود عليه ، اقتص منهم بالرجم ، وان رجعوا بعد موته بالجلد ، اقتص منهم بالجلد ، ولو جوع ، كتجويعه فلم يمت في المدة التي