شرح
قول عائشة : فتوفي رسول الله ، وهن فيما يقرأ من القرآن ، يذكر حكمها على أنها كانت آية في القرآن ، لا أنه يتلى قرآنا بعد وفاة الرسول عليه السلام ، وعلى فرض أنه كان يتلى فيكون ذلك بالنسبة لمن لم يبلغه النسخ .
ويرد على هذا أمران : أحدهما أن المسلمين قد أجمعوا على أن القرآن هو ما تواتر نقله عن رسول الله عن رب العزة ، فكيف يمكن الحكم بكون هذا قرآنا ، خصوصا قد صرح بعض أئمة المسلمين بأنه لا يجوز الحكم على كتاب الله المتواتر بما ليس بمتواتر ، وعلى هذا فمن المشكل الواضح ما يذكره المحدثون من روايات الآحاد المشتملة على أن آية كذا كانت قرآنا ونسخت على أن مثل هذه الروايات قد مهدت لأعداء الإسلام إدخال ما يوجب الشك في كتاب الله من الروايات الفاسدة ، فمن ذلك ما روى عن ابن مسعود من أن المعوذتين ليستا من كتاب الله ، فان معنى هذا التشكيك في كتاب الله المتواتر كلمة كلمة وحرفا حرفا ، ولهذا جزم الفخر الرازي بكذب هذه الرواية ، ومن ذلك ما قيل من أن آية القنوت كانت موجودة في مصحف أبي ثم سقطت .
فهذا وأمثاله من الروايات التي فيها الحكم على القرآن المتواتر بأخبار الآحاد ، فضلا عن كونه ضارا بالدين فيه تناقض ظاهر ، ثانيها : ليس في حديث عائشة ما يدل على نسخ خمس رضعات ، فلما ذا لا تكون قد سقطت ، كما يقول أعداء الدين ؟ ومع تسليم أن فيه ما يدل ، فما فائدة نسخ اللفظ مع بقاء حكمه ؟ ومع تسليم أن له فائدة ، فما هو الدليل الذي يدل على أن اللفظ قد نسخ وبقي حكمه ؟
وقد أجيب عن الأول بأنه لم يقل أحد أن خبر عائشة يفيد قرآنية هذه الكلمات فتعطي حكم القرآن ، وانما الذي يفيده خبر عائشة ظن أن هذا الحكم كان موجودا في القرآن ، وهذا الظن كاف في إثبات الحكم الفقهي .
ثم إن هناك فرقا بين ما روى عن ابن مسعود من كون المعوذتين ليستا من القرآن وبين خبر عائشة الموجود معنا ، فإن الأول فيه نفي للقرآن المتواتر يقينا ، ومن ينكر شيئا من القرآن المتواتر يقينا فإنه يخرج عن الدين ، فيجب تكذيب ما روى عن ابن مسعود من إنكار المعوذتين تكذيبا باتا وتكذيب كل رواية مماثلة لها ، أما خبر عائشة فإنه يفيد أن هذا قرآنا ونسخ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فلا يصح أن يعطي حكم القرآن على كل حال ، ومع ذلك فان الخبر لا يفيد الا الظن ، ففي كونه قرآنا لا يضر ، وقد يقال : انه مع وجاهة هذا الجواب لا يزال الاشكال قائماً وهو أنه إذا صح نفي كونه قرآنا فلا يصح الاحتجاج به ، لأن الاستدلال به قائم على كونه قرآنا فمتى نفينا كونه قرآنا فقد انتفى الحكم الدال عليه ، فالمعترض يقول : انكم تقولون : ان هذا الحكم كان موجودا في القرآن ، وذكرتم نصه بآية قلتم : انها كانت في القرآن ، والفرض أن القرآن هو ما ثبت بالتواتر ، وكل ما لا يثبت بالتواتر لا يكون قرآنا ، فهذا ليس بقرآن ، ومتى ثبت أنه ليس بقرآن فإنه لا يصح الاحتجاج به ، فان قلتم : انه لا يلزم من انتفاء كونه قرآنا انتفاء الحكم ، لأنه يكون من قبيل الحديث الثابت بخبر الآحاد ، قلنا : هذا أيضا لا يصح لأن عائشة لم تروه على أنه حديث ،