شرح
لثبوت التحريم بالنسب ، ومعلوم أن النسب يثبت بالاحتمال ، فكذلك فرعه المشابه له يكفي في ثبوته الاحتمال ، ولهذا لا يشترط أن تكون المرضعة ثيبا ، فلو كانت بكرا ونزل لها اللبن في هذه السن فإنه يعتبر ويحرم ، فلا يشترط أن يكون اللبن ينشأ عن الحبل بالفعل ، فإذا كانت في سن لا تحتمل فيه الولادة فإن لبنها لا يعتبر ولا يحرم .
ويشترط في الرضيع أن يكون حيا ، فلو فرض وصب في حلق طفل ميت لبن امرأة فإنه لا يعتبر ، وأن يكون صغيرا لم يتجاوز الحولين ، فان تجاوزهما ، ولو بلحظة ، فان رضاعه لا يحرم ، وإذا شك في أنه تجاوز الحولين أو لا فإنه لا يحرم ، لأن الشك في سبب التحريم يسقط التحريم ، فإذا رضع الطفل أربع رضعات وفي أول الرضعة الخامسة تم حولان يقينا ، وهو يرضعها فإنه لا يعتبر ، وما مضى من الرضعات الأربع يلغى خلافا للحنابلة في هذه الحالة .
ويشترط في اللبن شرطان : أحدهما يتعلق بكميته ومقداره ، وثانيهما يتعلق بحالته وكيفية وصوله إلى جوف الصبي . فأما الأول ، فإنه يشترط أن يرضع الطفل من المرضعة خمس مرات يقينا ، بحيث لو شك في أنه رضع خمس مرات أو لا ، فإنه لا يعتبر ، ثم إن الرضعة لا تحسب إلا إذا عدت في العرف رضعة كاملة ، بحيث يتناول الطفل الثدي ولا ينصرف عنه الا لضرورة تنفس ، أو بلغ ما في فمه ، أو الانتقال من ثدي إلى ثدي آخر ، أما إذا قطعه ولم يعد إليه فإنها تحسب رضعة ولو لم يأخذ سوى حصة واحدة وكذا إذا قطعته المرضعة ولم تعد اليه ، أما إذا قطعته لشغل خفيف ولو عادت اليه سريعا فإنها تحسب رضعة واحدة ، وقد وافق الشافعية في هذا العدد الحنابلة ، وان خالفوهم في بعض التفصيل المذكور ، كما ستعرفه ، وأما الحنفية . والمالكية فإنهم خالفوا هذا ولم يشترطوا عددا ، بل قالوا : كل ما وصل إلى جوف الصبي من لبن المرضعة ولو قليلا يوجب التحريم ، وقد عرفت اختلافهم في التفصيل المتقدم .
فيتحصل من هذا أن الشافعية والحنابلة يقولون : أن الرضاع لا يحرم إلا إذا كان خمس مرات ، والمالكية ، والحنفية يقولون : ان الرضاع يحرم مطلقا قليلا كان أو كثيرا ولو قطرة .
وقد استدل الشافعية ، والحنابلة بما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان فيما أنزل الله في القرآن - عشر رضعات معلومات يحرمن - فنسخن بخمس معلومات - فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن ، وأيضا روى مسلم « لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان » .
ويؤخذ من كتب الشافعية ، والحنابلة أنهم فهموا من خبر عائشة الأول ما هو ظاهر منه ، وهو أنه كان من بين آي القرآن الحكيم آية - عشر رضعات معلومات يحرمن ومعنى معلومات متحققات لا شك فيهن ، ومعنى يحرمن يوجبن التحريم بين المرضعة وزوجها ، وبين الرضيع في الزوجية على الوجه السابق ، ثم نسخت هذه الآية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لفظا ومعنى بآية أخرى وهي - خمس معلومات يحرمن - فبعد أن كانت الرضعات المحرمات عشرا صارت خمسا فقط واستمر العمل بهذا ، ثم رفع لفظ خمس رضعات يحرمن - من القرآن قبيل وفاة الرسول عليه السلام وبقي العمل بحكمه ، فمعنى ،