الآية دلالة على أن يصح للوصي الفقير أن يأخذ أجر عمله من مال القاصر بما هو معروف بين الناس ، فانظر كيف حذر الله الأوصياء في الآية الأولى بما هو ممكن قريب الوقوع ؟ وكيف رغبهم في حكم معاملة القاصر ؟ فإن الوصي الذي له أولاد صغار ضعاف قد يموت ويتركهم ، فلينظر على أي وجه يجب أن يعامل الناس أولاده فيعامل به من إقامة الله وصيا عليه ، ليعلم أنه إذا اتقى الله تعالى في قوله وفعله كان قدوة حسنة لأبنائه فينقلون عنه الفضيلة ، فضلا عما في ذلك من ترك حسن الذكرى وطيب الأثر وذلك في قلوب الناس منزلة رفيعة تحبب إليهم مودة ذريته الضعيفة ، ويسهل عليهم خدمتهم .
ثم انظر إلى الوعيد الشديد للطامعين في أموال اليتامى الذين يقومون عليهم ، وأي زجر أشد من أن شبه الله ما يأكلون من ذلك بالنار التي توقد في البطون ، فهم وإن كانوا يجدون في أكله لذة مؤقتة في هذه الحياة الدنيا ولكنهم سيصلون سعيرا يوم القيامة تلتهب في أحشائهم ، فيعلمون أنهم إنما كانوا نارا وجحيما .
وفي ذلك منتهى التحذير والتخويف من قربان أموال اليتامى . ولهذا الكلام بقية ذكرناها في حكمه تشريع الحجر في الجزء الثاني من كتاب الأخلاق .
وكما أن الشريعة الإسلامية حثت الكبير على أن يعين الصغير ، كذلك حثت من آتاه الله عقلا على أن يعين من حرم منه وإن كان كبيرا ، لأن من ابتلاه الله بضعف العقل وفقد الإدراك فقد جعله كالأطفال في هذه الحياة وإن كان كبير الجسم والسن ، فإن العقل هو الذي يمتاز به الإنسان عن الحيوان ، فإذا ذهب أصبح الإنسان كالأطفال ، فلا يصح تركه وشأنه حتى يقضي عليه الأشرار ، فالحجر بسبب الصغر والجنون لمصلحتهما أمر متفق عليه بين أئمة المسلمين : أما الحجر على الكبير العاقل بسبب سوء التصرف ، والسفه والتبذير ونحو ذلك مما يأتي فذلك محل خلاف ( 1 ) . ولكن جمهور الأئمة وعلماء الإسلام على أنه في .
شرح
( 1 ) الحنفية - قالوا : الذي قال إن السفه ليس سببا من أسباب الحجر هو الإمام أبو حنيفة وحده ، أما صاحباه فقد قالا كما قال جمهور الأئمة وهو أن السفيه يحجر عليه كالصغير والمجنون ويظهر أن الإمام يميل إلى عدم حبس الأموال ، فمن كان أهلا للتصرف فأحسن استثمار ماله فذاك ، ومن لم يكن أهلا وبذر فيه فجزاؤه أن ينتقل المال من يده إلى أيد متصرفة تنتفع به وتنفع الناس .
ومن أجل ذلك يقول الإمام : إن الوقف لا يلزم إلا بحكم الحاكم كما سيأتي في بابه .
فالحر العاقل لا يحجر عليه ، سواء كان فاسقا أو مبذرا على أنه يقول : إن من أسباب الحجر على العاقل أن يعمل عملا يتعدى ضرره إلى غيره ، كالطبيب الجاهل الذي لا يحسن الطب فيضر الناس . ومثله المفتي الجاهل الذي يضلل الناس ، أو الماجن الذي يفتيهم بالحيل