شرح
الوفاء به . كعيادة المريض ، ودخول المسجد ولو مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو المسجد الأقصى ، أو الحرم المكي ، لأنه ليس من جنسها فرض مقصود . وكذا لو نذر تسبيحا أو دعاء عقب الصلاة فإنه لا يجب الوفاء به لأنه ليس من جنسه فرض ؛ أما إذا نذر تكبيرا فإنه يجب الوفاء به ، لأن التكبير من جنسه فرض وهي تكبيرة الإحرام . وكذا إذا نذر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يجب الوفاء به على الصحيح ، لأنه من جنسها فرضا وهو الصلاة عليه في العمر مرة . الثاني أن يكون المنذور عبادة مقصودة ، فلا يصح النذر بما هو وسيلة كالوضوء ، والاغتسال ، ومس المصحف ، والأذان ، وتشييع الجنازة وعيادة المريض ، وبناء المساجد وغير ذلك ، فهذه الأمور وإن كانت قربة إلا أنها غير مقصودة لذاتها ، بل المقصود هو ما يترتب عليها ، فالضابط الكلي في صحة النذر : أن يكون المنذور عبادة مقصودة من جنسها فرض . الثالث : أن لا يكون المنذور معصية لذاته ، فإذا نذر أن يقتل فلانا أو يشرب الخمر أو يزني كان يمينا ولزمته الكفارة بالحنث . أما إذا نذر أن يصوم يوم عيد الفطر أو الأضحى فإنه يكون قد نذر محرما لعارض لا لذاتها ، فإن الصيام في ذاته طاعة ، وتحريمه في هذا اليوم عارض بنهي الشارع ، فيصح نذره ويلغو لأنه يوم العيد فيجب قضاؤه في يوم آخر . ومثله ما إذا نذر أن يصلي ركعتين من غير وضوء ، فإنه يصح نذره ، لأن نذر الصلاة صحيح ويلغو قيد من غير وضوء ، فيجب أن يصلي ركعتين بوضوء ، لأن إلزام المشروط وهو الصلاة التزام الشرط وهو الوضوء . وكذا إذا نذر أن يصلي ركعة واحدة فإنه يلزمه أن يصلي ركعتين . وكذا نذر أن يصلي ثلاثة فإنه يلزم بأربعة .
الرابع : أن لا يكون فرضا عليه قبل النذر ، فلو نذر حجة الإسلام لم يلزمه شيء غيرها .
الخامس : أن لا يكون ما التزمه أكثر مما يملكه ، فلو نذر ألفا وهو لا يملك إلا مائة يلزم بالمائة فقط .
السادس : أن يكون ممكن الوقوع ، فلو نذر مستحيلا كأن يصوم أمس فإنه لا يصح نذره وكذا إذا نذرت الحائض أن تصوم أيام حيضها فهو باطل ، لأن صوم أيام الحيض مستحيل شرعا ، وكذا إذا نذرت أن تصوم غدا ثم أصبحت حائضا فإن نذرها باطل ، وهذا عند محمد ، وقال أبو يوسف : يجب عليها القضاء في الصورة الثانية .
سابعا : أن لا يكون ملكا للغير .
واعلم أن النذر المطلق لا يتقيد بزمان ولا مكان ولا دراهم ولا فقير . فإذا نذر أن يتصدق يوم الجمعة بهذا الدرهم على فلان فتصدق يوم الخميس أو يوم السبت بغير هذا الدرهم على شخص آخر جاز . وكذا لو عين شهرا للاعتكاف أو للصوم فعجل صح ، وكذا إذا نذر أن يحج سنة كذا فحج سنة قبلها صح ، أما النذر المعلق فإنه يتعين فيه الوقت فقط : إذ لا يصح تقديمه على وقوع المعلق عليه بخلاف تأخيره عنه فإنه جائز . أما تعيين الفقير والدرهم والمكان فيه فليس بلازم ، فيصح أن يدفع غير الدرهم المنذور لفقير آخر غير الذي ذكره ، فلو نذر لفقراء مكة جاز الصرف لفقراء غيرها ، سواء كان النذر مطلقا أو معلقا .
والنذر عمل اللسان ، والقياس يقتضي أنه لا ينعقد إلا بلفظ : لله علي كذا ، أو علي كذا ، أما إذا قال : « إن عوفيت صمت كذا » فإنه لا ينعقد به النذر قياسا ، وينعقد استحسانا .