تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
وَإِنَّمَا خَرَجَ الْكَلَامُ فِي صُورَةِ اثْنَيْنِ بِذِكْرِ نَعْتَيْنِ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ كَمَا جَاءَ نَحْوُهُ فِي قَوْله تَعَالَى : { نَزَّلَ عَلَيْك الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ . مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ } . قَالَ قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ : هُوَ الْقُرْآنُ ، فَرَّقَ فِيهِ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ، وَالْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، وَهَذَا لِأَنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ إذَا كَانَ لَهُ وَصْفَانِ كَبِيرَانِ فَهُوَ مَعَ وَصْفٍ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ ، وَهُوَ مَعَ الْوَصْفَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الِاثْنَيْنِ ، حَتَّى لَوْ كَثُرَتْ صِفَاتُهُ لِتَنْزِلَ مَنْزِلَةَ أَشْخَاصٍ . أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي يُحْسِنُ الْحِسَابَ وَالطِّبَّ بِمَنْزِلَةِ حَاسِبٍ وَطَبِيبٍ ، وَالرَّجُلَ الَّذِي يُحْسِنُ النِّجَارَةَ وَالْبِنَاءَ بِمَنْزِلَةِ نَجَّارٍ وَبَنَّاءٍ ، وَالْقَلْبُ لَمَّا كَانَ يَقْبَلُ الذِّكْرَ وَالْعِلْمَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْإِنَاءِ الَّذِي يُوضَعُ فِيهِ الْمَاءُ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَيْتِ الْإِنَاءَ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ أَسْمَاءِ الْقَلْبِ ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ رَقِيقاً وَصَافِياً ، وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي بِهِ الْمُسْتَطْعِمُ الْمُسْتَعْطِي فِي مَنْزِلَةِ الْبَائِسِ الْفَقِيرِ ، وَلَمَّا كَانَ يَنْصَرِفُ عَنْ الْبَاطِلِ فَهُوَ زَكِيٌّ وَسَلِيمٌ ، فَكَأَنَّهُ اثْنَانِ وَلْيُتَبَيَّنْ فِي الصُّورَةِ أَنَّ الْإِنَاءَ غَيْرُ الْقَلْبِ فَهُوَ يَقُولُ : " إذَا مَا وَضَعْت قَلْبَك فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ " ، وَهُوَ الَّذِي يُوضَعُ فِيهِ الذِّكْرُ وَالْعِلْمُ ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَك إنَاءٌ يُوضَعُ فِيهِ الْمَطْلُوبُ فَمِثْلُك مِثْلُ رَجُلٍ بَلَغَهُ أَنَّهُ يُفَرَّقُ عَلَى النَّاسِ طَعَاماً ، وَكَانَ لَهُ زُبْدِيَّةٌ أَوْ سُكْرُجَةٌ ، فَتَرَكَهَا ثُمَّ أَقْبَلَ يَطْلُبُ طَعَاماً ، فَقِيلَ لَهُ هَاتِ إنَاءً نُعْطِك طَعَاماً ، فَأَمَّا إذَا أَتَيْت وَقَدْ وَضَعْت زُبْدِيَّتَك مَثَلاً فِي الْبَيْتِ ، وَلَيْسَ مَعَك إنَاءٌ نُعْطِيك فِيهِ شَيْئاً ، رَجَعْت بِخُفَّيْ حُنَيْنٍ . وَإِذَا تَأَمَّلَ مَنْ لَهُ بَصَرٌ بِأَسَالِيبِ الْبَيَانِ وَتَصَارِيفِ اللِّسَانِ ، وَجَدَ مَوْقِعَ هَذَا الْكَلَامِ مِنْ الْعَرَبِيَّةِ وَالْحِكْمَةِ كِلَيْهِمَا مَوْقِعاً حَسَناً بَلِيغاً ، فَإِنَّ نَقِيضَ هَذِهِ الْحَالِ الْمَذْكُورَةِ أَنْ يَكُونَ الْقَلْبُ مُقْبِلاً عَلَى الْحَقِّ وَالْعِلْمِ وَالذِّكْرِ ، مُعْرِضاً عَنْ ذِكْرِ غَيْرِ ذَلِكَ وَتِلْكَ هِيَ الْحَنِيفِيَّةُ دِينُ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَإِنَّ الْحَنَفَ هُوَ الْمَيْلُ عَنْ الشَّيْءِ بِالْإِقْبَالِ عَلَى آخَرَ ، فَالدِّينُ الْحَنِيفُ هُوَ الْإِقْبَالُ عَلَى اللَّهِ وَحْدَهُ وَالْإِعْرَاضُ عَمَّا سِوَاهُ ، وَهُوَ الْإِخْلَاصُ الَّذِي تَرْجَمَته كَلِمَةُ الْحَقِّ ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ . اللَّهُمَّ ثَبِّتْنَا عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ . هَذَا آخِرُ مَا