وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا : لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا إلَّا لِنَاوٍ جَمْعَهُمَا أَوْ مُشْتَغِلٍ بِشَرْطِهَا ، فَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ قَبْلَهُ مِنْ الْأَصْحَابِ ، بَلْ وَلَا مِنْ سَائِرِ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .
وَهَذَا لَا شَكَّ وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ صُوَراً مَعْرُوفَةً ، كَمَا إذَا أَمْكَنَ الْوَاصِلَ إلَى الْبِئْرِ أَنْ يَضَعَ حَبْلاً يَسْتَقِي بِهِ وَلَا يَفْرُغُ إلَّا بَعْدَ الْوَقْتِ ، أَوْ أَمْكَنَ الْعُرْيَانَ أَنْ يَخِيطَ ثَوْباً وَلَا يَفْرُغُ .
إلَّا بَعْدَ الْوَقْتِ ، وَنَحْوُ هَذِهِ الصُّورَةِ ، وَمَعَ هَذَا فَاَلَّذِي قَالَهُ فِي ذَلِكَ هُوَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ الْمَعْرُوفِ عَنْ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ ، وَمَا أَظُنُّهُ يُوَافِقُهُ إلَّا بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .
وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ أَيْضاً أَنَّ الْعُرْيَانَ لَوْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَذْهَبَ إلَى قَرْيَةٍ يَشْتَرِي مِنْهَا ثَوْباً وَلَا يُصَلِّي إلَّا بَعْدَ الْوَقْتِ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّأْخِيرُ بِلَا نِزَاعٍ ، وَكَذَلِكَ الْعَاجِزُ عَنْ تَعَلُّمِ التَّكْبِيرِ وَالتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ ، وَكَذَلِكَ الْمُسْتَحَاضَةُ إذَا كَانَ دَمُهَا يَنْقَطِعُ بَعْدَ الْوَقْتِ لَمْ يَجُزْ لَهَا التَّأْخِيرُ ، بَلْ تُصَلِّي فِي الْوَقْتِ بِحَسَبِ حَالِهَا .
بَابُ الْمَوَاقِيتِ
بَدَأَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا كَالْخِرَقِيِّ ، وَالْقَاضِي فِي بَعْضِ كُتُبِهِ وَغَيْرِهِمَا بِالظُّهْرِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ بَدَأَ بِالْفَجْرِ كَابْنِ أَبِي مُوسَى ، وَأَبِي الْخَطَّابِ ، وَالْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ ، وَهَذَا أَجْوَدُ لِأَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى هِيَ ، الْعَصْرُ ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الْوُسْطَى إذَا كَانَ الْفَجْرُ الْأَوَّلَ .
وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ وَقْتَ الْعِشَاءِ بِقَدْرِ حِصَّةِ الْفَجْرِ فِي الشِّتَاءِ وَفِي الصَّيْفِ ، فَقَدْ غَلِطَ غَلَطاً بَيَّنَّا بِاتِّفَاقِ النَّاسِ ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ يَرَوْنَ تَقَدُّمَ الصَّلَاةِ أَفْضَلَ إلَّا إذَا كَانَ فِي التَّأْخِيرِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ مِثْلُ الْمُتَيَمِّمِ يُؤَخِّرُ لِيُصَلِّيَ آخِرَ الْوَقْتِ بِوُضُوءٍ ، وَالْمُنْفَرِدِ يُؤَخِّرُ حَتَّى يُصَلِّيَ آخِرَ الْوَقْتِ مَعَ جَمَاعَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَيُعْمَلُ بِقَوْلِ الْمُؤَذِّنِ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ مَعَ إمْكَانِ الْعِلْمِ بِالْوَقْتِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ الْمُعْتَبَرِينَ وَكَمَا شَهِدْت لَهُ النُّصُوصُ خِلَافاً لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا .
وَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ الْوَقْتُ ثُمَّ طَرَأَ مَانِعٌ مِنْ جُنُونٍ ، أَوْ حَيْضٍ : لَا قَضَاءَ إلَّا أَنْ يَتَضَايَقَ الْوَقْتُ عَنْ فِعْلِهَا ثُمَّ يُوجَدُ الْمَانِعُ .
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَزُفَرَ ، رَوَاهُ زُفَرُ عَنْ أَبِي
الفتاوى الكبرى — صفحة 319
مساهمون: ابن تيمية
ص٣١٩