كِتَابُ الصَّلَاةِ
وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي اسْمِ الصَّلَاةِ : هَلْ هُوَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمَنْقُولِ عَنْ مُسَمَّاهَا فِي اللُّغَةِ ، أَوْ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي اللُّغَةِ ، أَوْ أَنَّهَا تَصَرَّفَ فِيهَا الشَّارِعُ تَصَرُّفَ أَهْلِ الْعُرْفِ ، فَهِيَ بِالنِّسْبَةِ إلَى اللُّغَةِ مَجَازٌ ، وَبِالنِّسْبَةِ إلَى عُرْفِ الشَّارِعِ حَقِيقَةٌ ، عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ .
وَالتَّحْقِيقُ : أَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يُغَيِّرْهَا وَلَكِنْ اسْتَعْمَلَهَا مُقَيَّدَةً لَا مُطْلَقَةً كَمَا تُسْتَعْمَلُ نَظَائِرُهَا ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ } فَذَكَرَ بَيْتاً خَاصّاً ، فَلَمْ يَكُنْ لَفْظُ الْحَجِّ مُتَنَاوِلاً لِكُلِّ قَصْدٍ ، بَلْ لِقَصْدٍ مَخْصُوصٍ دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ نَفْسُهُ ، وَمَنْ كَانَ قَبْلَنَا كَانَتْ لَهُمْ صَلَاةٌ لَيْسَتْ مُمَاثِلَةً لِصَلَاتِنَا فِي الْأَوْقَاتِ وَالْهَيْئَاتِ .
وَلَا تَلْزَمُ الشَّرَائِعُ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ ، فَعَلَى هَذَا لَا تَلْزَمُ الصَّلَاةُ حَرْبِيّاً أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَا يَعْلَمُ وُجُوبَهَا ، وَالْوَجْهَانِ فِي كُلِّ مَنْ تَرَكَ وَاجِباً قَبْلَ بُلُوغِ الشَّرْعِ كَمَنْ لَمْ يَتَيَمَّمْ لِعَدَمِ الْمَاءِ لِظَنِّهِ عَدَمَ الصِّحَّةِ ، أَوْ لَمْ يُزَكِّ ، أَوْ أَكَلَ حَتَّى تَبَيَّنَ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ لِظَنِّهِ ذَلِكَ ، أَوْ لَمْ تُصَلِّ مُسْتَحَاضَةٌ ، وَالْأَصَحُّ : لَا قَضَاءَ وَلَا إثْمَ إذَا لَمْ نَقْصِدْ اتِّفَاقاً لِلْعَفْوِ عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَمَنْ عَقَدَ عَقْداً فَاسِداً مُخْتَلَفاً فِيهِ بِاجْتِهَادٍ أَوْ تَقْلِيدٍ ، وَاتَّصَلَ بِهِ الْقَبْضُ لَمْ يُؤْمَرْ بِرَدِّهِ ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفاً لِلنَّصِّ وَكَذَلِكَ النِّكَاحُ إذَا بَانَ لَهُ خَطَأُ الِاجْتِهَادِ أَوْ التَّقْلِيدِ ، وَقَدْ انْقَضَى الْمُفْسِدُ لَمْ يُفَارِقْ وَإِنْ كَانَ الْمُفْسِدُ قَائِماً فَارَقَهَا .
بَقِيَ النَّظَرُ فِيمَنْ تَرَكَ الْوَاجِبَ ، وَفَعَلَ الْمُحَرَّمَ لَا بِاعْتِقَادٍ وَلَا بِجَهْلٍ يُعْذَرُ فِيهِ ،
الفتاوى الكبرى — صفحة 317
مساهمون: ابن تيمية
ص٣١٧