وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ الرِّجْلَ لَهَا ثَلَاثُ أَحْوَالٍ الْكَشْفُ لَهُ الْغَسْلُ ، وَهُوَ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ ، وَالسِّتْرُ الْمَسْحُ ، وَحَالَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ وَهِيَ فِي النَّعْلِ ، فَلَا هِيَ بَارِزَةٌ فَيَجِبُ الْغَسْلُ ، فَأُعْطِيَتْ حَالَةً مُتَوَسِّطَةً وَهُوَ الرَّشُّ ، وَحَيْثُ أُطْلِقَ عَلَيْهَا لَفْظُ الْمَسْحِ فِي هَذَا الْحَالِ فَالْمُرَادُ بِهِ الرَّشُّ .
وَقَدْ وَرَدَ الرَّشُّ عَلَى النَّعْلَيْنِ وَالْمَسْحُ عَلَيْهَا فِي الْمُسْنَدِ " مِنْ حَدِيثِ أَوْسٍ ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَوْسٍ ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمَنْصُوصُ أَحْمَدَ { الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ مَا لَمْ يَخْلَعْ النَّعْلَيْنِ } ، فَإِذَا أَجَازَ عَلَيْهِمَا فَالزَّرْبُولُ الَّذِي لَا يَثْبُتُ إلَّا بِسَيْرٍ يَشُدُّهُ بِهِ مُتَّصِلاً وَمُنْفَصِلاً عَنْهُ أَوْلَى بِالْمَسْحِ عَلَيْهِ مِنْ الْجَوْرَبَيْنِ ، وَمَا لَبِسَهُ مِنْ فَرْوَةٍ أَوْ قُطْنٍ وَغَيْرِهِمَا .
وَثَبَتَ بِشَدِّهِ بِخَيْطٍ مُتَّصِلٍ أَوْ مُنْفَصِلٍ مَسَحَ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الثَّبَاتِ بِنَفْسِهِ فَلَا أَصْلَ لَهُ فِي كَلَامِ أَحْمَدَ ، وَإِنَّمَا الْمَنْصُوصُ عَنْهُ مَا ذَكَرْنَاهُ .
وَعَلَى الْقَوْلِ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ فَالْمُرَادُ بِهِ مَا ثَبَتَ فِي السَّاقِ وَلَمْ يَسْتَرْسِلْ عِنْدَ الْمَشْيِ ، وَلَا يَعْتَبِرُ مُوَالَاةَ الْمَشْيِ فِيهِ ، كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ تَيْمِيَّةَ ، وَيَجُوزُ عَلَى الْعِمَامَةِ الصَّمَّاءِ ، وَهِيَ كَالْقَلَانِسِ ، وَالْمَحْكِيُّ عَنْ أَحْمَدَ الْكَرَاهَةُ ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهَا كَرَاهَةُ السَّلَفِ لِغَيْرِ الْمُحَنَّكَةِ عَلَى الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ لِجِهَادٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَالْعَمَائِمُ الْمُكَلَّبَةُ بِالْكِلَابِ تُشْبِهُ الْمُحَنَّكَةَ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ ، فَإِنَّهُ يُمْسِكُهَا كَمَا تَمْسِكُ الْحَنَكُ الْعِمَامَةَ .
وَمَنْ غَسَلَ إحْدَى رِجْلَيْهِ ثُمَّ أَدْخَلَهَا الْخُفَّ قَبْلَ غَسْلِ الْأُخْرَى فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ خَلْعٍ ، وَلُبْسُهُ قَبْلَ إكْمَالِ الطَّهَارَةِ ، كَلُبْسِهِ بَعْدَهَا ، وَكَذَا لُبْسُهَا قَبْلَ كَمَالِهَا .
وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَلَوْ غَسَلَ الرِّجْلَيْنِ فِي الْخُفَّيْنِ بَعْدَ أَنْ لَبِسَهَا مُحْدِثاً جَازَ الْمَسْحُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَقَوْلٌ مُخَرَّجٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ .
قُلْت : وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي الْمَنْهَجِ وَلَا تَتَوَقَّتُ مُدَّةُ الْمَسْحِ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ ، الَّذِي يَشُقُّ اشْتِغَالُهُ بِالْخَلْعِ ، وَاللُّبْسُ ، كَالْبَرِيدِ الْمُجَهَّزِ فِي مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قِصَّةُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، وَهُوَ نَصُّ مَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَغَيْرِهِ مِمَّنْ لَا يَرَى التَّوْقِيتَ ، وَلَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُ الْمَاسِحِ عَلَى الْخُفِّ وَالْعِمَامَةِ بِنَزْعِهِمَا ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَسْحُ رَأْسِهِ وَلَا غَسْلُ قَدَمَيْهِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، كَإِزَالَةِ الشَّعْرِ الْمَمْسُوحِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ ، وَقَوْلِ الْجُمْهُورِ .
وَإِذَا حَلَّ الْجَبِيرَةَ فَهَلْ تُنْتَقَضُ طَهَارَتُهُ كَالْخُفِّ ؟ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِالنَّقْضِ ، أَوْ لَا تُنْتَقَضُ كَحَلْقِ الرَّأْسِ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ لَا تُنْتَقَضَ الطَّهَارَةُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا طَهَارَةٌ أَصْلٌ
الفتاوى الكبرى — صفحة 305
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٠٥