وَفِي الْمُحَلِّلِ ظُلْمٌ لِأَنَّهُ إذَا سَبَقَ أَخَذَ وَإِذَا سُبِقَ لَمْ يُعْطَ وَغَيْرُهُ إذَا سَبَقَ أُعْطِيَ ، فَدُخُولُ الْمُحَلَّلِ ظُلْمٌ لَا تَأْتِي بِهِ الشَّرِيعَةُ .
وَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ . وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
1053 - 29 مَسْأَلَةٌ : فِي قَوْلِ النَّبِيِّ : { إنَّكُمْ تَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرّاً مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ } وَهَذِهِ صِفَةُ الْمُصَلِّينَ ، فَبِمَ يُعْرَفُ غَيْرُهُمْ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ التَّارِكِينَ وَالصِّبْيَانِ .
وَهَلْ الْأَفْضَلُ الْمُجَاوَرَةُ بِمَكَّةَ أَوْ بِمَسْجِدِ النَّبِيِّ أَوْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى أَوْ بِثَغْرٍ مِنْ الثُّغُورِ لِأَجْلِ الْغَزْوِ ، وَفِيمَا يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ { مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي ، وَمَنْ زَارَ الْبَيْتَ وَلَمْ يَزُرْنِي فَقَدْ جَفَانِي } " وَهَلْ زِيَارَةُ النَّبِيِّ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ أَمْ لَا ؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ .
وَالْجَوَابُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يُعْرَفُ مَنْ كَانَ أَغَرَّ مُحْجَلاً ، وَهُمْ الَّذِينَ يَتَوَضَّئُونَ لِلصَّلَاةِ ، وَأَمَّا الْأَطْفَالُ فَهُمْ تَبَعٌ لِلرِّجَالِ ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ قَطُّ وَلَمْ يُصَلِّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
وَالْمُرَابَطَةُ بِالثُّغُورِ أَفْضَلُ مِنْ الْمُجَاوَرَةِ فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ عَامَّةً ، بَلْ قَدْ اخْتَلَفُوا فِي الْمُجَاوَرَةِ ، فَكَرِهَهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَاسْتَحَبَّهَا مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا ، وَلَكِنَّ الْمُرَابَطَةَ عِنْدَهُمْ أَفْضَلُ مِنْ الْمُجَاوَرَةِ ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ السَّلَفِ ، حَتَّى قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَأَنْ أُرَابِطَ لَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُومَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ .
وَذَلِكَ أَنَّ الرِّبَاطَ مِنْ جِنْسِ الْجِهَادِ ، وَجِنْسَ الْجِهَادِ مُقَدَّمٌ عَلَى جِنْسِ الْحَجِّ ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ : عَنْ النَّبِيِّ { أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : أَيُّ
الفتاوى الكبرى — صفحة 146
مساهمون: ابن تيمية
ص١٤٦